الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

255

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تذكيره بتقوى اللّه تعالى غضب لذلك ، والأخذ أصله تناول الشيء باليد ، واستعمل مجازا مشهورا في الاستيلاء قال تعالى : وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ [ التوبة : 5 ] وفي القهر نحو فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ [ الأنعام : 42 ] . وفي التلقي مثل أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ [ آل عمران : 81 ] ومنه أخذ فلان بكلام فلان ، وفي الاحتواء والإحاطة يقال أخذته الحمى وأخذتهم الصيحة ، ومنه قوله هنا أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ أي احتوت عليه عزة الجاهلية . والعزة صفة يرى صاحبها أنه لا يقدر عليه غيره ولا يعارض في كلامه لأجل مكانته في قومه واعتزازه بقوتهم قال السموأل : وننكر إن شئنا على الناس قولهم * ولا ينكرون القول حين نقول ومنه العزة بمعنى القوة والغلبة وإنما تكون غالبا في العرب بسبب كثرة القبيلة ، وقد تغني الشجاعة عن الكثرة ومن أمثالهم : وإنما العزة للكاثر ، وقالوا : لن نغلب من قلة وقال السموأل وما ضرّنا أنا قليل وجارنا * عزيز وجار الأكثرين ذليل ومنها جاء الوصف بالعزيز كما سيأتي في قوله : فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ البقرة : 209 ] . ف ( أل ) في ( العزة ) للعهد أي العزة المعروفة لأهل الجاهلية التي تمنع صاحبها من قبول اللوم أو التغيير عليه ، لأن العزة تقتضي معنى المنعة فأخذ العزة له كناية عن عدم إصغائه لنصح الناصحين . وقوله : بِالْإِثْمِ الباء فيه للمصاحبة أي أخذته العزة الملابسة للإثم والظلم وهو احتراس لأن من العزة ما هو محمود قال تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقين : 8 ] أي فمنعته من قبول الموعظة وأبقته حليف الإثم الذي اعتاده لا يرعوي عنه وهما قرينان . وقوله : فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ تفريع على هاته الحالة ، وأصل الحسب هو الكافي كما سيجيء عند قوله تعالى : وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ في آل عمران [ 173 ] . ولما كان كافي الشيء من شأنه أن يكون على قدره ومما يرضيه كما قال أبو الطيب : على قدر أهل العزم تأتي العزائم