الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

242

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

( أشد ) معطوفا على ( ذكر ) المجرور بالكاف من قوله : كَذِكْرِكُمْ ولا يمنع من ذلك ما قيل من امتناع العطف على المجرور بدون إعادة الجار لأن ذلك غير متفق عليه بين أئمة النحو ، فالكوفيون لا يمنعونه ووافقهم بعض المتأخرين مثل ابن مالك وعليه قراءة حمزة وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [ النساء : 1 ] بجر الأرحام وقد أجاز الزمخشري هنا وفي قوله تعالى : كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً في [ سورة النساء : 77 ] أن يكون العطف على المجرور بالحرف بدون إعادة الجار ، وبعض النحويين جوزه فيما إذا كان الجر بالإضافة لا بالحرف كما قاله ابن الحاجب في « إيضاح المفصل » ، وعليه ففتحة أَشَدَّ نائبة عن الكسرة ، لأن أشد ممنوع من الصرف وعلى هذا الوجه فانتصاب ذِكْراً على التمييز على نحو ما تقدم في الوجه الأول عن سيبويه والزجاج . ولصاحب « الكشاف » تخريجان آخران لإعراب أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فيهما تعسف دعاه إليهما الفرار من ترادف التمييز والمميز ، ولابن جني تبعا لشيخه أبي علي تخريج آخر ، دعاه إليه مثل الذي دعا الزمخشري وكان تخريجه أشد تعسفا ذكره عنه ابن المنير في « الانتصاف » ، وسلكه الزمخشري في تفسير آية سورة النساء . وهذه الآية من غرائب الاستعمال العربي ، ونظيرتها آية سورة النساء ، قال الشيخ ابن عرفة في « تفسيره » « وهذه مسألة طويلة عويصة ما رأيت من يفهمها من الشيوخ إلّا ابن عبد السلام وابن الحباب وما قصر الطيبي فيها وهو الذي كشف القناع عنها هنا وفي قوله تعالى في [ سورة النساء : 77 ] يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وكلامه في تلك الآية هو الذي حمل التونسيين على نسخه ؛ لأني كنت عند ابن عبد السلام لما قدم الواصل بكتاب الطيبي فقلت له : ننظر ما قال : في أَشَدَّ خَشْيَةً فنظرناه فوجدنا فيه زيادة على ما قال الناس فحض الشيخ إذ ذاك على نسخها ا ه » . وقوله : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إلخ ، الفاء للتفصيل ؛ لأن ما بعدها تقسيم لفريقين من الناس المخاطبين بقوله : فَاذْكُرُوا اللَّهَ إلخ فقد علم السامعون أن الذكر يشمل الدعاء ؛ لأنه من ذكر اللّه وخاصة في مظان الإجابة من الزمان والمكان ، لأن القاصدين لتلك البقاع على اختلاف أحوالهم ما يقصدون إلّا تيمنا ورجاء فكان في الكلام تقدير كأنه قيل : فاذكروا اللّه كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا وادعوه ، ثم أريد تفصيل الداعين للتنبيه على تفاوت الذين تجمعهم تلك المناسك ، وإنما لم يفعل الذكر الأعم من الدعاء ، لأن الذكر الذي ليس بدعاء لا يقع إلّا على وجه واحد وهو تمجيد اللّه والثناء عليه فلا حاجة إلى