الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
240
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تفريع على قوله : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ [ البقرة : 199 ] لأن تلك الإفاضة هي الدفع من مزدلفة إلى منى أو لأنها تستلزم ذلك ومنى هي محل رمي الجمار ، وأشارت الآية إلى رمي جمرة العقبة يوم عاشر ذي الحجة فأمرت بأن يذكروا اللّه عند الرمي ثم الهدي بعد ذلك وقد تم الحج عند ذلك ، وقضيت مناسكه . وقد أجمعوا على أن الحاج لا يرمي يوم النحر إلّا جمرة العقبة من بعد طلوع الشمس إلى الزوال ثم ينحر بعد ذلك ، ثم يأتي الكعبة فيطوف طواف الإفاضة وقد تم الحج وحل للحاج كل شيء إلّا قربان النساء . والمناسك جمع منسك مشتق من نسك نسكا من باب نصر إذا تعبد وقد تقدم في قوله تعالى : وَأَرِنا مَناسِكَنا [ البقرة : 128 ] فهو هنا مصدر ميمي أو هو اسم مكان والأول هو المناسب لقوله : قَضَيْتُمْ ؛ لئلا نحتاج إلى تقدير مضاف أي عبادات مناسككم . وقرأ الجميع مَناسِكَكُمْ بفك الكافين وقرأه السوسي عن أبي عمرو بإدغامهما وهو الإدغام الكبير « 1 » . وقوله : فَاذْكُرُوا اللَّهَ أعاد الأمر بالذكر بعد أن أمر به وبالاستغفار تحضيضا عليه وإبطالا لما كانوا عليه في الجاهلية من الاشتغال بفضول القول والتفاخر ، فإنه يجر إلى المراء والجدال ، والمقصد أن يكون الحاج منغمسا في العبادة فعلا وقولا واعتقادا . وقوله : كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ بيان لصفة الذكر ، فالجار والمجرور نعت لمصدر محذوف أي ذكرا كذكركم إلخ إشارة إلى ما كانوا عليه من الاشتغال في أيام منى بالتفاخر بالأنساب ومفاخر أيامهم ، فكانوا يقفون بين مسجد منى أي موضعه وهو مسجد الخيف وبين الجبل ( أي جبل منى الذي مبدؤه العقبة التي ترمى بها الجمرة ) فيفعلون ذلك . وفي « تفسير ابن جرير » عن السدي : كان الرجل يقوم فيقول : اللهم إن أبي كان عظيم القبة عظيم الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته ، فلا يذكر غير أبيه وذكر أقوالا
--> ( 1 ) الإدغام ينقسم إلى كبير وصغير ، فالكبير هو ما كان فيه المدغم والمدغم فيه متحركين سواء كانا مثلين أو جنسين أو متقاربين ، سمي به لأنه يسكن الأول ويدغم في الثاني فيحصل فيه عملان فصار كبيرا . والصغير هو ما كان فيه المدغم ساكنا فيدغم في الثاني فيحصل فيه عمل واحد ولذا سمي به . انظر « الإتقان » و « شرح الشاطبي » .