الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
229
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
كسوق الهدي ، وعند الشافعي يدخل الحج بنية ولو لم يصاحب قولا أو عملا وهو أرجح ؛ لأن النية في العبادات لم يشترط فيها مقارنتها لجزء من أعمال العبادة ، ولا خلاف أن السنة مقارنة الإهلال للاغتسال والتلبية واستواء الراحلة براكبها . وضمير فِيهِنَّ للأشهر ، لأنه جمع لغير عاقل فيجري على التأنيث . وقوله : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ جواب من الشرطية ، والرابط بين جملة الشرط والجواب ما في معنى فَلا رَفَثَ من ضمير يعود على ( من ) ؛ لأن التقدير فلا يرفث . وقد نفى الرفث والفسوق والجدال نفي الجنس مبالغة في النهي عنها وإبعادها عن الحاج ، حتى جعلت كأنها قد نهي الحاج عنها فانتهى فانتفت أجناسها ، ونظير هذا كثير في القرآن كقوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ [ البقرة : 228 ] وهو من قبيل التمثيل بأن شبهت حالة المأمور وقت الأمر بالحالة الحاصلة بعد امتثاله فكأنه امتثل وفعل المأمور به فصار بحيث يخبر عنه بأنه فعل كما قرره في « الكشاف » في قوله : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ ، فأطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة . وقرأ الجمهور بفتح أواخر الكلمات الثلاث المنفية بلا ، على اعتبار ( لا ) نافية للجنس نصا ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع ( رفث ) و ( فسوق ) على أن ( لا ) أخت ليس نافية للجنس غير نص وقرءا ( ولا جدال ) بفتح اللام على اعتبار ( لا ) نافية للجنس نصا وعلى أنه عطف جملة على جملة فروي عن أبي عمرو أنه قال : الرفع بمعنى لا يكون رفث ولا فسوق يعني أن خبر ( لا ) محذوف وأن المصدرين نائبان عن فعليهما وأنهما رفعا لقصد الدلالة على الثبات مثل رفع الْحَمْدُ لِلَّهِ [ الفاتحة : 2 ] وانتهى الكلام ثم ابتدأ النفي فقال : وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ على أن فِي الْحَجِّ خبر ( لا ) ، والكلام على القراءتين خبر مستعمل في النهي . والرفث اللغو من الكلام والفحش منه قاله أبو عبيدة واحتج بقول العجاج : وربّ أسراب حجيج كظّم * عن اللّغا ورفث التّكلّم وفعله كنصر وفرح وكرم والمراد به هنا الكناية عن قربان النساء . وأحسب أن الكناية بهذا اللفظ دون غيره لقصد جمع المعنيين الصريح والكناية ، وكانوا في الجاهلية يتوقون ذلك ، قال النابغة :