الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
22
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الشهادة لنا وانتفاء الشهادة علينا ، فأما الدنيوية فشهادة الرسول علينا فيها هي شهادته بذاته على معاصريه وشهادة شرعه على الذين أتوا بعده إنما بوفائهم ما أوجبه عليهم شرعه وإما بعكس ذلك ، وأما الأخروية فهي ما روي في الحديث المتقدم من شهادة الرسول بصدق الأمة فيما شهدت به ، وما روي في الحديث الآخر في « الموطأ » و « الصحاح » : « فليذادنّ أقوام عن حوضي فأقول يا رب أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم بدلوا وغيروا فأقول سحقا سحقا لمن بدل بعدي » . وتعدية شهادة الرسول على الأمة بحرف على مشاكلة لقوله قبله لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وإلّا فإنها شهادة للأمة وقيل بل لتضمين شَهِيداً معنى رقيبا ومهيمنا في الموضعين كما في « الكشاف » . وقد دلت هذه الآية على التنويه بالشهادة وتشريفها حتى أظهر العليم بكل شيء أنه لا يقضي إلّا بعد حصولها . ويؤخذ من الآية أن الشاهد شهيد بما حصل له من العلم وإن لم يشهده المشهود عليه وأنه يشهد على العلم بالسماع والأدلة القاطعة وإن لم ير بعينه أو يسمع بأذنيه ، وأن التزكية أصل عظيم في الشهادة ، وأن المزكي يجب أن يكون أفضل وأعدل من المزكّى ، وأن المزكي لا يحتاج للتزكية ، وأن الأمّة لا تشهد على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولهذا كان يقول في حجة الوداع : « ألا هل بلغت فيقولون نعم فيقول اللهم اشهد » فجعل اللّه هو الشاهد على تبليغه وهذا من أدق النكت . وتقديم الجار والمجرور على عامله لا أراه إلّا لمجرد الاهتمام بتشريف أمر هذه الأمة حتى أنها تشهد على الأمم والرسل وهي لا يشهد عليها إلّا رسولها ، وقد يكون تقديمه لتكون الكلمة التي تختم بها الآية في محل الوقف كلمة ذات حرف مد قبل الحرف الأخير لأن المد أمكن للوقف وهذا من بدائع فصاحة القرآن ، وقيل تقديم المجرور مفيد لقصر الفاعل على المفعول وهو تكلف ومثله غير معهود في كلامهم . وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ . الواو عاطفة على جملة : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ [ البقرة : 142 ] وما اتصل بها من الجواب بقوله : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ قصد به بيان الحكمة من شرع استقبال بيت المقدس ثم تحويل ذلك إلى شرع استقبال الكعبة ، وما بين الجملتين من قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً إلى آخرها اعتراض .