الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
217
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يدعي الشافعية أن أَتِمُّوا هنا مراد منه إيجاب الشروع ، لأن ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب كما أشار له العصام . فالحق أن الآية ليست دليلا لحكم العمرة . وقد اختلف العلماء في حكمها : فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها سنة قال مالك : لا أعلم أحدا رخص في تركها وهذا هو مذهب جابر ابن عبد اللّه وابن مسعود من الصحابة والنخعي من التابعين . وذهب الشافعي وأحمد وابن الجهم من المالكية إلى وجوبهما ، وبه قال عمرو ابن عمر وابن عباس من الصحابة وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، والحسن ، وابن سيرين ، والشعبي وسعيد بن جبير ، وأبو بردة ، ومسروق ، وإسحاق بن راهويه . ودليلنا حديث جابر بن عبد اللّه ، « قيل : يا رسول اللّه العمرة واجبة مثل الحج فقال : لا ، وأن تعتمروا فهو أفضل » أخرجه الترمذي ، لأن عبادة مثل هذه لو كانت واجبة لأمر بها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولا يثبت وجوبها بتلفيقات ضعيفة ، وقد روي عن ابن مسعود أنه كان يقول : لولا التحرج وأني لم أسمع من رسول اللّه في ذلك شيئا لقلت : العمرة واجبة ا ه محل الاحتجاج قوله : لم أسمع إلخ ، ولأن اللّه تعالى قال : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [ آل عمران : 97 ] ولم يذكر العمرة ، ولأنه لا يكون عبادتان واجبتان هما من نوع واحد . ولأن شأن العبادة الواجبة أن تكون مؤقتة . واحتج أصحابنا أيضا بحديث : « بني الإسلام على خمس » وحديث جبريل في الإيمان والإسلام ولم يذكر فيهما العمرة ، وحديث الأعرابي الذي قال : « لا أزيد ولا أنقص : فقال : أفلح إن صدق » ولم يذكر العمرة ولم يحتج الشافعية بأكثر من هذه الآية ، إذ قرنت فيها مع الحج ، وبقول بعض الصحابة وبالاحتياط . واحتج عمر بن الخطاب بهذه الآية على منع التمتع وهو الإحرام بعمرة ثم الحل منها في مدة الحج ثم الحج في عامه ذلك قبل الرجوع إلى بلده ، ففي البخاري أخرج حديث أبي موسى الأشعري قال : « بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قوم باليمن فجئت وهو بالبطحاء ( عام حجة الوداع ) فقال : بم أهللت ؟ فقلت : أهللت كإهلال النبي قال : أحسنت هل معك من هدى ! قلت : لا ، فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة من قومي فمشطتني أو غسلت رأسي ، ثم أهللت بالحج فكنت أفتي الناس به حتى خلافة عمر فذكرته له فقال : أن نأخذ بكتاب اللّه ، فإنه يأمرنا بالتمام ، قال تعالى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وأن نأخذ بسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي