الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
213
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تبشيرا بأنهم سيتمكنون من الحج فيما بعد ، وهذا من معجزات القرآن . والإتمام إكمال الشيء والإتيان على بقايا ما بقي منه حتى يستوعب جميعه . ومثل هذا الأمر المتعلق بوصف فعل يقع في كلامهم على وجهين : أحدهما وهو الأكثر أن يكون المطلوب تحصيل وصف خاص للفعل المتعلق به الوصف كالإتمام في قوله تعالى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ أي كملوه إن شرعتم فيه ، وكذا قوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [ البقرة : 187 ] على ما اخترناه وقوله تعالى : فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ [ التوبة : 4 ] ومثله أن تقول : أسرع السير للذي يسير سيرا بطيئا ، وثانيهما أن يجيء الأمر بوصف الفعل مرادا به تحصيل الفعل من أول وهلة على تلك الصفة نظير قوله تعالى : وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ [ البقرة : 150 ] ، وذلك كقولك : أسرع السير فادع لي فلانا تخاطب به مخاطبا لم يشرع في السير بعد ، فأنت تأمره بإحداث سير سريع من أول وهلة ، ونظيره قولهم : « وسّع فم الركية ، وقولهم : وسع كم الجبة وضيق جيبها » أي أوجدها كذلك من أول الأمر ، وهذا ضرب من ضروب التعبير ليس بكناية ولا مجاز ، ولكنه أمر بمجموع شيئين وهو أقل ؛ لأن الشأن أن يكون المطلوب بصيغة الأمر ابتداء هو الحدث الذي منه مادة تلك الصيغة . والآية تحتمل الاستعمالين ، فإن كان الأول فهي أمر بإكمال الحج والعمرة ، بمعنى ألا يكون حجا وعمرة مشوبين بشغب وفتنة واضطراب أو هي أمر بإكمالهما وعدم الرجوع عنهما بعد الإهلال بهما ولا يصدهم عنهما شنآن العدو ، وإن كان الثاني فهي أمر بالإتيان بهما تامين أي مستكملين ما شرع فيهما . والمعنى الأول أظهر وأنسب بالآيات التي قبلها ، وكأنّ هذا التحريض مشير إلى أن المقصود الأهم من الحج والعمرة هنا هما الصّرورة في الحج وكذا في العمرة على القول بوجوبها . واللام في ( الحج والعمرة ) لتعريف الجنس ، وهما عبادتان مشهورتان عند المخاطبين متميزتان عن بقية الأجناس ، فالحج هو زيارة الكعبة في موسم معين في وقت واحد ، للجماعة وفيه وقوف عرفة ، والعمرة زيارة الكعبة في غير موسم معين وهي لكل فرد بخصوصه . وأصل الحج في اللغة بفتح الحاء وكسرها تكرر القصد إلى الشيء أو كثرة قاصديه .