الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
205
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقد حصل كلا الأمرين في المشركين ففريق أسلموا ، وفريق قتلوا يوم بدر وغيره من الغزوات ، ومن ثم قال علماؤنا : لا تقبل من مشركين العرب الجزية ، ومن ثم فسر بعض المفسرين الفتنة هنا بالشرك تفسيرا باعتبار المقصود من المعنى لا باعتبار مدلول اللفظ . وقوله : وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ عطف على لا تَكُونَ فِتْنَةٌ فهو معمول لأن المضمرة بعد ( حتى ) أي وحتى يكون الدين للّه ، أي حتى لا يكون دين هنالك إلّا للّه أي وحده . فالتعريف في الدين تعريف الجنس ، لأن الدين من أسماء المواهي التي لا أفراد لها في الخارج فلا يحتمل تعريفه معنى الاستغراق . واللام الداخلة على اسم الجلالة لام الاختصاص أي حتى يكون جنس الدين مختصا باللّه تعالى على نحو ما قرر في قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ [ الفاتحة : 2 ] ، وذلك يؤول إلى معنى الاستغراق ولكنه ليس عينه ، إذ لا نظر في مثل هذا للأفراد ، والمعنى : ويكون دين الذين تقاتلونهم خالصا للّه لاحظ للإشراك فيه . والمقصود من هذا تخليص بلاد العرب من دين الشرك وعموم الإسلام لها ؛ لأن اللّه اختارها لأن تكون قلب الإسلام ومنبع معينه فلا يكون القلب صالحا إذا كان مخلوط العناصر . وقد أخرج البخاري عن عبد اللّه بن عمر أثرا جيدا قال : جاء رجلان إلى ابن عمر أيام فتنة ابن الزبير فقالا : إن الناس صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فما يمنعك أن تخرج ؟ فقال : يمنعني أن اللّه حرم دم أخي ، فقالا : ألم يقل اللّه تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فقال ابن عمر : قاتلنا مع رسول اللّه حتى لم تكن فتنة وكان الدين للّه وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير اللّه ، قال ابن عمر : كان الإسلام قليلا فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه وإما عذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة . وسيأتي بيان آخر في نظير هذه الآية من سورة الأنفال . وقوله : فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ، أي فإن انتهوا عن نقض الصلح أو فإن انتهوا عن الشرك بأن آمنوا فلا عدوان عليهم ، وهذا تصريح بمفهوم قوله : الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [ البقرة : 190 ] واحتيج إليه لبعد الصفة بطول الكلام ولاقتضاء المقام التصريح بأهم الغايتين من القتال ؛ لئلا يتوهم أن آخر الكلام نسخ أوله وأوجب قتال المشركين في كل حال .