الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

177

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

واحتيج للتأكيد بإنّ ، لأن الخبر غريب وهو أن يكون تعالى قريبا مع كونهم لا يرونه . و أُجِيبُ خبر ثان لإنّ وهو المقصود من الإخبار الذي قبله تمهيدا له لتسهيل قبوله . وحذفت ياء المتكلم من قوله « دعان » في قراءة نافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي ؛ لأن حذفها في الوقف لغة جمهور العرب عدا أهل الحجاز ، ولا تحذف عندهم في الوصل لأن الأصل عدمه ولأن الرسم يبنى على حال الوقف ، وأثبت الياء ابن كثير وهشام ويعقوب في الوصل والوقف ، وقرأ ابن ذكوان وعاصم بحذف الياء في الوصل والوقف وهي لغة هذيل ، وقد تقدم أن الكلمة لو وقعت فاصلة لكان الحذف متفقا عليه في قوله تعالى : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [ البقرة : 40 ] في هذه السورة . وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجوّ الإجابة ، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته ، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان . والآية دلت على أن إجابة دعاء الداعي تفضل من اللّه على عباده غير أن ذلك لا يقتضي التزام إجابة الدعوة من كل أحد وفي كل زمان ، لأن الخبر لا يقتضي العموم ، ولا يقال : إنه وقع في حيز الشرط فيفيد التلازم ، لأن الشرط هنا ربط الجواب بالسؤال وليس ربط للدعاء بالإجابة ، لأنه لم يقل : إن دعوني أجبتهم . وقوله : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي تفريع على أُجِيبُ أي إذا كنت أجيب دعوة الداعي فليجيبوا أوامري ، واستجاب وأجاب بمعنى واحد . وأصل أجاب واستجاب أنه الإقبال على المنادي بالقدوم ، أو قول يدل على الاستعداد للحضور نحو ( لبيك ) ، ثم أطلق مجازا مشهورا على تحقيق ما يطلبه الطالب ، لأنه لما كان بتحقيقه يقطع مسألته فكأنّه أجاب نداءه . فيجوز أن يكون المراد بالاستجابة امتثال أمر اللّه فيكون وَلْيُؤْمِنُوا بِي عطفا مغايرا والمقصود من الأمر الأول الفعل ومن الأمر الثاني الدوام ، ويجوز أن يراد بالاستجابة ما يشمل استجابة دعوة الإيمان ، فذكر وَلْيُؤْمِنُوا عطف خاص على عام للاهتمام به . وقوله : لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ تقدم القول في مثله . والرشد إصابة الحق وفعله كنصر وفرح وضرب ، والأشهر الأول . [ 187 ]