الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
174
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقرأ الجمهور : ( ولتكملوا ) بسكون الكاف وتخفيف الميم مضارع أكمل وقرأه أبو بكر عن عاصم ويعقوب بفتح الكاف وتشديد الميم مضارع كمّل . وقوله : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ عطف على قوله : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ، وهذا يتضمن تعليلا وهو في معنى علة غير متضمنة لحكمة ولكنها متضمنة لمقصد إرادة اللّه تعالى وهو أن يكبروه . والتكبير تفعيل مراد به النسبة والتوصيف أي أن تنسبوا اللّه إلى الكبر والنسبة هنا نسبة بالقول اللساني ، والكبر هنا كبر معنوي لا جسمي فهو العظمة والجلال والتنزيه عن النقائص كلها ، أي لتصفوا اللّه بالعظمة ، وذلك بأن تقولوا : اللّه أكبر ، فالتفعيل هنا مأخوذ من فعّل المنحوت من قول يقوله ، مثل قولهم : بسمل وحمدل وهلّل وقد تقدم عند الكلام على البسملة ، أي لتقولوا : اللّه أكبر ، وهي جملة تدل على أن اللّه أعظم من كل عظيم في الواقع كالحكماء والملوك والسادة والقادة ، ومن كل عظيم في الاعتقاد كالآلهة الباطلة ، وإثبات الأعظمية للّه في كلمة ( اللّه أكبر ) كناية عن وحدانيته بالإلهية ، لأن التفضيل يستلزم نقصان من عداه والناقص غير مستحق للإلهية ، لأن حقيقتها لا تلاقي شيئا من النقص ، ولذلك شرع التكبير في الصلاة لإبطال السجود لغير اللّه ، وشرع التكبير عند نحر البدن في الحج لإبطال ما كانوا يتقربون به إلى أصنامهم ، وكذلك شرع التكبير عند انتهاء الصيام بهذه الآية ، فمن أجل ذلك مضت السنة بأن يكبر المسلمون عند الخروج إلى صلاة العيد ويكبر الإمام في خطبة العيد . وفي لفظ التكبير عند انتهاء الصيام خصوصية جليلة وهي أن المشركين كانوا يتزلفون إلى آلهتهم بالأكل والتلطيخ بالدماء ، فكان لقول المسلم : اللّه أكبر ، إشارة إلى أن اللّه يعبد بالصوم وأنه متنزه عن ضراوة الأصنام . وقوله : وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تعليل آخر وهو أعم من مضمون جملة وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ فإن التكبير تعظيم يتضمن شكرا والشكر أعم ، لأنه يكون بالأقوال التي فيها تعظيم للّه تعالى ويكون بفعل القرب من الصدقات في أيام الصيام وأيام الفطر ، ومن مظاهر الشكر لبس أحسن الثياب يوم الفطر . وقد دلت الآية على الأمر بالتكبير ؛ إذ جعلته مما يريده اللّه ، وهو غير مفصّل في لفظ التكبير ، ومجمل في وقت التكبير ؛ وعدده ، وقد بينت السنة القولية والفعلية ذلك على اختلاف بين الفقهاء في الأحوال .