الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
170
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الصلة بحيث تجعل طريقا لمعرفته ، ولا نسلم لزوم علم المخاطب باتصاف ذي الصلة بمضمونها في التعريف بالموصولية بل ذلك غرض أغلبي كما يشهد به تتبع كلامهم ، وليس المقصود الإخبار عن شهر رمضان بأنه أنزل فيه القرآن ، لأن تركيب الكلام لا يسمح باعتباره خبرا لأن لفظ شَهْرُ رَمَضانَ خبر وليس هو مبتدأ ، والمراد بإنزال القرآن ابتداء إنزاله على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن فيه ابتداء النزول من عام واحد وأربعين من الفيل فعبر عن إنزال أوله باسم جميعه ؛ لأن ذلك القدر المنزل مقدّر إلحاق تكملته به كما جاء في كثير من الآيات مثل قوله : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ * [ الأنعام : 92 ] وذلك قبل إكمال نزوله فيشمل كل ما يلحق به من بعد ، وقد تقدم عند قوله : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ومعنى الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ أنزل في مثله ؛ لأن الشهر الذي أنزل فيه القرآن قد انقضى قبل نزول آية الصوم بعدة سنين ، فإن صيام رمضان فرض من السنة الثانية للهجرة فبين فرض الصيام والشهر الذي أنزل فيه القرآن حقيقة عدة سنين فيتعين بالقرينة أن المراد أنزل في مثله أي في نظيره من عام آخر . فقد جعل اللّه للمواقيت المحدودة اعتبارا يشبه اعتبار الشيء الواحد المتجدد ، وإنما هذا اعتبار للتذكير بالأيام العظيمة المقدار كما قال تعالى : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [ إبراهيم : 5 ] ، فخلع اللّه على المواقيت التي قارنها شيء عظيم في الفضل أن جعل لتلك المواقيت فضلا مستمرا تنويها بكونها تذكرة لأمر عظيم ، ولعل هذا هو الذي جعل اللّه لأجله سنة الهدي في الحج ، لأن في مثل ذلك الوقت ابتلى اللّه إبراهيم بذبح ولده إسماعيل وأظهر عزم إبراهيم وطاعته ربه ومنه أخذ العلماء تعظيم اليوم الموافق ليوم ولادة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويجيء من هذا إكرام ذرية رسول اللّه وأبناء الصالحين وتعظيم ولاة الأمور الشرعية القائمين مقام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أعمالهم من الأمراء والقضاة والأئمّة . وهذا يدل على أن مراد اللّه تعالى من الأمة صوم ثلاثين يوما متتابعة مضبوطة المبدأ والنهاية متحدة لجميع المسلمين . ولما كان ذلك هو المراد وقّت بشهر معيّن وجعل قمريا لسهولة ضبط بدئه ونهايته برؤية الهلال والتقدير ، واختير شهر رمضان من بين الأشهر لأنه قد شرف بنزول القرآن فيه ، فإن نزول القرآن لما كان لقصد تنزيه الأمة وهداها ناسب أن يكون ما به تطهير النفوس والتقرب من الحالة الملكية واقعا فيه ، والأغلب على ظني أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يصوم أيام تحنثه في غار حراء قبل أن ينزل عليه الوحي إلهاما من اللّه تعالى وتلقينا لبقية من الملة الحنيفية فلما أنزل عليه الوحي في شهر رمضان أمر اللّه الأمة