الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
15
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً . هذه الجملة معترضة بين جملة : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ [ البقرة : 142 ] إلخ وجملة : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلخ ، والواو اعتراضية وهي من قبيل الواو الاستئنافية ، فالآية السابقة لما أشارت إلى أن الذين هدوا إلى صراط مستقيم هم المسلمون وأن ذلك فضل لهم ناسب أن يستطرد لذكر فضيلة أخرى لهم هي خير مما تقدم وهي فضيلة كون المسلمين عدولا خيارا ليشهدوا على الأمم لأن الآيات الواقعة بعدها هي في ذكر أمر القبلة وهذه الآية لا تتعلق بأمر القبلة . وقوله : وَكَذلِكَ مركب من كاف التشبيه واسم الإشارة فيتعيّن تعرّف المشار إليه وما هو المشبه به قال صاحب « الكشاف » : « أي مثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم أمة وسطا » فاختلف شارحوه في تقرير كلامه وتبين مراده ، فقال البيضاوي : « الإشارة إلى المفهوم أي ما فهم من قوله : يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ البقرة : 142 ] أي كما جعلناكم أمة وسطا أو كما جعلنا قبلتكم أفضل قبلة جعلناكم أمة وسطا » ا ه . أي إن قوله : يَهْدِي مَنْ يَشاءُ يومئ إلى أن المهدي هم المسلمون وإلى أن المهدي إليه هو استقبال الكعبة وقت قول السفهاء ما وَلَّاهُمْ [ البقرة : 142 ] على ما قدمناه وهذا يجعل الكاف باقية على معنى التشبيه ولم يعرّج على وصف « الكشاف » الجعل بالعجيب كأنه رأى أن اسم الإشارة لا يتعين للحمل على أكثر من الإشارة وإن كان إشارة البعيد فهو يستعمل غالبا من دون إرادة بعد وفيه نظر ، والمشار إليه على هذا الوجه معنى تقدم في الكلام السّابق فالإشارة حينئذ إلى مذكور متقرر في العلم فهي جارية على سنن الإشارات . وحمل شراح « الكشاف » الكاف على غير ظاهر التشبيه ، فأما الطيبي والقطب فقالا الكاف فيه اسم بمعنى مثل منتصب على المفعولية المطلقة لجعلناكم أي مثل الجعل العجيب جعلناكم فليس تشبيها ولكنه تمثيل لحالة والمشار إليه ما يفهم من مضمون قوله : يَهْدِي وهو الأمر العجيب الشأن أي الهدى التام ، ووجه الإتيان بإشارة البعيد التنبيه على تعظيم المشار إليه وهو الذي عناه في « الكشاف » بالجعل العجيب ، فالتعظيم هنا