الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
147
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تعالى : عَلَى الْمُتَّقِينَ . وقوله حَقًّا مصدر مؤكد ل كُتِبَ لأنه بمعناه و عَلَى الْمُتَّقِينَ صفة أي حقا كائنا على المتقين ، ولك أن تجعله معمول حَقًّا ولا مانع من أن يعمل المصدر المؤكد في شيء ولا يخرجه ذلك عن كونه مؤكدا بما زاده على معنى فعله ؛ لأن التأكيد حاصل بإعادة مدلول الفعل ، نعم إذا أوجب ذلك المعمول له تقييدا يجعله نوعا أو عددا فحينئذ يخرج عن التأكيد . وخص هذا الحق بالمتقين ترغيبا في الرضى به ؛ لأن ما كان من شأن المتقي فهو أمر نفيس فليس في الآية دليل على أن هذا الوجوب على المتقين دون غيرهم من العصاة ، بل معناه أن هذا الحكم هو من التقوى وأن غيره معصية ، وقال ابن عطية : خص المتقون بالذكر تشريفا للرتبة ليتبارى الناس إليها . وخص الوالدين والأقربين لأنهم مظنة النسيان من الموصي ، لأنهم كانوا يورثون الأولاد أو يوصون لسادة القبيلة . وقدم الوالدين للدلالة على أنهما أرجح في التبدية بالوصية ، وكانوا قد يوصون بإيثار بعض أولادهم على بعض أو يوصون بكيفية توزيع أموالهم على أولادهم ، ومن أشهر الوصايا في ذلك وصية نزار بن معد بن عدنان إذ أوصى لابنه مضر بالحمراء ، ولابنه ربيعة بالفرس ، ولابنه أنمار بالحمار ، ولابنه إياد بالخادم ، وجعل القسمة في ذلك للأفعى الجرهمي ، وقد قيل إن العرب كانوا يوصون للأباعد طلبا للفخر ويتركون الأقربين في الفقر وقد يكون ذلك لأجل العداوة والشنآن . وهذه الآية صريحة في إيجاب الوصية ، لأن قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمْ صريح في ذلك وجمهور العلماء على أنها ثبت بها حكم وجوب الإيصاء للوالدين والأقربين ، وقد وقت الوجوب بوقت حضور الموت ويلحق به وقت توقع الموت ، ولم يعين المقدار الموصى به وقد حرضت السنة على إعداد الوصية من وقت الصحة بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما حق امرئ له مال يوصي فيه يبيت ليلتين إلّا ووصيته مكتوبة عنده » أي لأنه قد يفجأه الموت . والآية تشعر بتفويض تعيين المقدار الموصى به إلى ما يراه الموصي ، وأمره بالعدل بقوله بِالْمَعْرُوفِ فتقرر حكم الإيصاء في صدر الإسلام لغير الأبناء من القرابة زيادة على ما يأخذه الأبناء ، ثم إن آية المواريث التي في سورة النساء نسخت هذه الآية نسخا مجملا