الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
128
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المعمول الآخر بين أن يرفعه وأن ينصبه وشأن اسم لَيْسَ أن يكون هو الجدير بكونه مبتدأ به ، فوجه قراءة رفع الْبِرَّ أن البر أمر مشهور معروف لأهل الأديان مرغوب للجميع فإذا جعل مبتدأ في حالة النفي أصغت الأسماع إلى الخبر ، وأما توجيه قراءة النصب فلأن أمر استقبال القبلة هو الشغل الشاغل لهم فإذا ذكر خبره قبله ترقب السامع المبتدأ فإذا سمعه تقرر في علمه . وقوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ إخبار عن المصدر باسم الذّات للمبالغة كعكسه في قولها : « فإنما هي إقبال وإدبار » وذلك كثير في الكلام ومنه قوله تعالى : إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً [ الملك : 30 ] وقول النابغة : وقد خفت ما تزيد مخافتي * على وعل في ذي المطارة عاقل أي وعل هو مخافة أي خائف ، ومن قدر في مثله مضافا أي برّ من آمن أو ولكن ذو البر فإنما عنى بيان المعنى لا أن هنالك مقدارا ؛ لأنه يخرج الكلام عن البلاغة إلى كلام مغول كما قال التفتازاني ، وعن المبرد : لو كنت ممن يقرأ لقرأت ولكن البر بفتح الباء ، وكأنه أراد الاستغناء عن التقدير في الإخبار عن البر بجملة : مَنْ آمَنَ لأن من آمن هو البار لا نفس البر وكيف يقرأ كذلك و الْبِرَّ معطوف بلكن في مقابلة البر المثبت فهل يكون إلّا عينه ولذا لم يقرأ أحد إلّا البر بكسر الباء ، على أن القراءات مروية وليست اختيارا ولعل هذا لا يصح عن المبرد . وقرأ نافع وابن عامر ( ولكن البر ) بتخفيف النون من لكن ورفع البر على الابتداء وقرأه بقية العشرة بتشديد نون ( لكن ) ونصب ( البر ) والمعنى واحد . وتعريف وَالْكِتابِ تعريف الجنس المفيد للاستغراق أي آمن بكتب اللّه مثل التوراة والإنجيل والقرآن ، ووجه التعبير بصيغة المفرد أنها أخف مع عدم التباس التعريف بأن يكون للعهد ؛ لأن عطف ( النبيين ) على ( الكتاب ) قرينة على أن اللام في ( الكتاب ) للاستغراق فأوثرت صيغة المفرد طلبا لخفة اللفظ . وما يظن من أن استغراق المفرد المعرف باللام أشمل من استغراق الجمع المعرف بها ليس جاريا على الاستعمال وإنما توهمه السكاكي في « المفتاح » في قوله تعالى : قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي [ مريم : 4 ] من كلام وقع في « الكشاف » وما نقل عن ابن عباس أنه قرأ قوله تعالى : كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ [ البقرة : 285 ] ، وقال الكتاب أكثر من الكتب فلو صحّ عنه لم يكن مريدا به توجيه قراءته ( وكتابه ) المعرف بالإضافة بل عنى به الأسماء المنفية بلا التبرئة تفرقة بين