الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
125
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 176 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 176 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 176 ) جيء باسم الإشارة لربط الكلام اللاحق بالسابق على طريقة العرب في أمثاله إذا طال الفصل بين الشيء وما ارتبط به من حكم أو علة أو نحوهما كقول النابغة : وذلك من تلقاء مثلك رائع بعد قوله : أتاني أبيت اللعن أنّك لمتني والكلام السابق الأظهر أنه قوله : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [ البقرة : 175 ] والمعنى أنهم استحقوا العذاب على كتمانهم بسبب أن اللّه أنزل الكتاب بالحق فكتمانهم شيئا من الكتاب كتمان للحق وذلك فساد وتغيير لمراد اللّه ؛ لأن ما يكتم من الحق يخلفه الباطل كما بيناه آنفا فحقّ عليهم العذاب لكتمانه ، لأنه مخالف مراد اللّه من تنزيله ، وعليه فالكتاب في قوله : بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ هو عين الكتاب المذكور في قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ [ البقرة : 174 ] وهو كتابهم التوراة والإنجيل ليكون الموضوع في العلة والحكم المعلّل واحدا ، وعليه فالجملة فصلت من الجملة التي قبلها لجريانها منها مجرى العلة . ويجوز أن يكون المشار إليه السابق هو الكتمان المأخوذ من يَكْتُمُونَ [ البقرة : 174 ] ، أي إنما كتموا ما كتموا بسبب أن اللّه نزل الكتاب بالحق فعلموا أنه على النعت الذي بشر اللّه به على لسان التوراة . والمعنى أنهم كتموا دلائل صدق النبي حسدا وعنادا ؛ لأن اللّه أنزل القرآن على محمد ، فالكتاب هنا غير الكتاب في قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ [ البقرة : 174 ] . والجملة على هذا الوجه استئناف بياني لاستغراب تعمدهم كتمان ما أنزل اللّه من الكتاب وإن هذا الصنع الشنيع لا يكون إلّا عن سبب عظيم ، فبين بقوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ . وقوله : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ تذييل ولكنه عطف بالواو لأنه يتضمن تكملة وصف الذين اشتروا الضلالة بالهدى ووعيدهم ، والمراد بالذين اختلفوا