الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
111
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الأمرين منتف ؛ فإن قوله : وَمَثَلُ الَّذِينَ ، صريح في أنه تشبيه هيئة بهيئة كما تقدم في قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ [ البقرة : 17 ] ، وإذا كان كذلك كانت أجزاء المركبين غير منظور إليها استقلالا وأيّها ذكرت في جانب المركب المشبّه والمربة المشبه به أجزأك ، وإنما كان الغالب أن يبدءوا الجملة الدالة على المركب المشبه به بما يقابل المذكور في المركب المشبه نحو : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً وقد لا يلتزمون ذلك ، فقد قال اللّه تعالى : مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ [ آل عمران : 117 ] الآية . والذي يقابل ما يُنْفِقُونَ في جانب المشبه به هو قوله : حَرْثَ قَوْمٍ [ آل عمران : 177 ] وقال : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ [ البقرة : 261 ] وإنما الذي يقابل الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في جانب المشبه به هو زارع الحبة وهو غير مذكور في اللفظ أصلا وقال تعالى : كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ [ البقرة : 264 ] الآية ، والذي يقابل الصفوان في جانب المشبه هو المال المنفق لا الذي ينفق ، وفي الحديث الصحيح « مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء » إلخ ، والذي يقابل الرجل الذي استأجر في جانب المشبه هو اللّه تعالى في ثوابه للمسلمين وغيرهم ممن آمن قبلنا ، وهو غير مذكور في جانب المشبه أصلا ، وهو استعمال كثير جدا ، وعليه فالتقديرات الواقعة للمفسرين هنا تقادير لبيان المعنى ، والآية تحتمل أن يكون المراد تشبيه حال المشركين في إعراضهم عن الإسلام بحال الذي ينعق بالغنم ، أو تشبيه حال المشركين في إقبالهم على الأصنام بحال الداعي للغنم ، وأيّا ما كان فالغنم تسمع صوت الدعاء والنداء ولا تفهم ما يتكلم به الناعق ، والمشركون لم يهتدوا بالأدلة التي جاء بها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيكون قوله : إِلَّا دُعاءً وَنِداءً من تكملة أوصاف بعض أجزاء المركب التمثيلي في جانب المشبه به ، وذلك صالح لأن يكون مجرد إتمام للتشبيه إن كان المراد تشبيه المشركين بقلة الإدراك ، ولأن يكون احتراسا في التشبيه إن كان المراد تشبيه الأصنام حين يدعوها المشركون بالغنم حين ينعق بها رعاتها فهي لا تسمع إلّا دعاء ونداء ، ومعلوم أن الأصنام لا تسمع لا دعاء ولا نداء فيكون حينئذ مثل قوله تعالى : فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [ البقرة : 74 ] ثم قال : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ [ البقرة : 74 ] . وقد جوز المفسرون أن يكون التمثيل على إحدى الطريقتين ، وعندي أن الجمع بينهما ممكن ولعله من مراد اللّه تعالى ، فقد قدمنا أن التشبيه التمثيلي يحتمل كل ما حمّلته من الهيئة كلها ، وهيئة المشركين في تلقي الدعوة مشتملة على إعراض عنها وإقبال على