الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
100
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الاختصاص كقوله تعالى : وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ [ هود : 91 ] - وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا [ هود : 29 ] - وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ * [ الأنعام : 107 ] فالوجه أن تقديم المسند إليه على المسند المشتق لا يفيد بذاته التخصيص وقد يستفاد من بعض مواقعه معنى التخصيص بالقرائن ، وليس في قوله تعالى : وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ . ما يفيد التخصيص ولا يدعو إليه . [ 168 ، 169 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 168 إلى 169 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 ) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 169 ) استئناف ابتدائي هو كالخاتمة لتشويه أحوال أهل الشرك من أصول دينهم وفروعه التي ابتدأ الكلام فيها من قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ [ البقرة : 161 ] الآية ، إذ ذكر كفرهم إجمالا ثم أبطله بقوله : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [ البقرة : 163 ] واستدل على إبطاله بقوله : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 164 ] الآيات ثم وصف كفرهم بقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [ البقرة : 165 ] ، ووصف حالهم وحسرتهم يوم القيامة ، فوصف هنا بعض مساوئ دين أهل الشرك فيما حرموا على أنفسهم مما أخرج اللّه لهم من الأرض ، وناسب ذكره هنا أنه وقع بعد ما تضمنه الاستدلال على وحدانية اللّه والامتنان عليهم بنعمته بقوله : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله : وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [ البقرة : 164 ] الآية ، وهو تمهيد وتلخيص لما يعقبه من ذكر شرائع الإسلام في الأطعمة وغيرها التي ستأتي من قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [ البقرة : 172 ] . فالخطاب بيا أيها الناس موجه إلى المشركين كما هو شأن خطاب القرآن بيا أيها الناس . والأمر في قوله : كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ مستعمل في التوبيخ على ترك ذلك وليس للوجوب ولا للإباحة ، إذ ليس الكفار بأهل للخطاب بفروع الشريعة فقوله : كُلُوا تمهيد لقوله بعده وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ . وقوله : حَلالًا طَيِّباً تعريض بتحميقهم فيما أعنتوا به أنفسهم فحرموها من نعم طيبة افتراء على اللّه ، وفيه إيماء إلى علة إباحته في الإسلام وتعليم للمسلمين بأوصاف الأفعال التي هي مناط الحل والتحريم .