الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

19

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأما استعمال العرب ، فهو التملي من أساليبهم في خطبهم وأشعارهم وأمثالهم وعوائدهم ومحادثاتهم ، ليحصل بذلك لممارسة المولّد ذوق يقوم عنده مقام السليقة والسجية عند العربي القحّ « والذوق كيفية للنفس بها تدرك الخواص والمزايا التي للكلام البليغ » قال شيخنا الجد الوزير « وهي ناشئة عن تتبع استعمال البلغاء فتحصل لغير العربي بتتبع موارد الاستعمال والتدبر في الكلام المقطوع ببلوغه غاية البلاغة ، فدعوى معرفة الذوق لا تقبل إلا من الخاصة وهو يضعف ويقوى بحسب مثافنة ذلك التدبر » ا ه . وللّه دره في قوله المقطوع ببلوغه غاية البلاغة المشير إلى وجوب اختيار الممارس لما يطالعه من كلامهم وهو الكلام المشهود له بالبلاغة بين أهل هذا الشأن ، نحو « المعلقات » و « الحماسة » ونحو « نهج البلاغة » و « مقامات الحريري » و « رسائل بديع الزمان » . قال صاحب « المفتاح » قبيل الكلام على اعتبارات الإسناد الخبري « ليس من الواجب في صناعته وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل ، أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها ، فكيف إذا كانت الصناعة مستندة إلى تحكيمات وضعية واعتبارات إلفية ، فلا بأس على الدخيل في علم المعاني ، أن يقلد صاحبه في بعض فتاواه إن فاته الذوق هناك إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق ا ه » . ولذلك - أي لإيجاد الذوق أو تكميله - لم يكن غنى للمفسر في بعض المواضع من الاستشهاد على المراد في الآية ببيت من الشعر أو بشيء من كلام العرب لتكميل ما عنده من الذوق ، عند خفاء المعنى ، ولإقناع السامع والمتعلم الذين لم يكمل لهما الذوق في المشكلات . وهذا - كما قلناه آنفا - شيء وراء قواعد علم العربية ، وعلم البلاغة به يحصل انكشاف بعض المعاني واطمئنان النفس لها ، وبه يترجح أحد الاحتمالين على الآخر في معاني القرآن ألا ترى أنه لو اطّلع أحد على تفسير قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ [ الحجرات : 11 ] ، وعرض لديه احتمال أن يكون عطف قوله : وَلا نِساءٌ على قوله : قَوْمٌ عطف مباين ، أو عطف خاص على عام فاستشهد المفسر في ذلك بقول زهير : وما أدري وسوف إخال أدرى * أقوم آل حصن أم نساء كيف تطمئن نفسه لاحتمال عطف المباين دون عطف الخاص على العام ، وكذلك