الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
14
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
طالب ، وقال إن عليا لم يمت وإنه يرجع إلى الدنيا وقد قيل إنه ادعى إلهية علي . وهنا لك رواية مقاتل ورواية الضحاك ، ورواية علي بن أبي طلحة الهاشمي كلها عن ابن عباس ، وأصحها رواية علي بن أبي طلحة ، وهي التي اعتمدها البخاري في كتاب التفسير من « صحيحه » فيما يصدّر به من تفسير المفردات على طريقة التعليق ، وقد خرّج في « الإتقان » ، جميع ما ذكره البخاري من تفسير المفردات ، عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس مرتبة على سور القرآن . والحاصل أن الرواية عن ابن عباس ، قد اتخذها الوضّاعون والمدلسون ملجأ لتصحيح ما يروونه كدأب الناس في نسبة كل أمر مجهول من الأخبار والنوادر ، لأشهر الناس في ذلك المقصد . وهنا لك روايات تسند لعلي رضي اللّه عنه ، أكثرها من الموضوعات ، إلا ما روي بسند صحيح ، مثل ما في « صحيح البخاري » ونحوه ، لأن لعلي أفهاما في القرآن كما ورد في « صحيح البخاري » عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي هل عندكم شيء من الوحي ليس في كتاب اللّه فقال : « لا والذي فلق الحبة ، وبرأ النّسمة ، ما أعلمه إلا فهما يعطيه اللّه رجلا في القرآن » ثم تلا حق العلماء في تفسير القرآن وسلك كل فريق مسلكا يأوي إليه وذوقا يعتمد عليه . فمنهم من سلك مسلك نقل ما يؤثر عن السلف ، وأول من صنف في هذا المعنى ، مالك بن أنس ، وكذلك الداودي تلميذ السيوطي في « طبقات المفسرين » ، وذكره عياض في « المدارك » إجمالا . وأشهر أهل هذه الطريقة فيما هو بأيدي الناس محمد بن جرير الطبري . ومنهم من سلك مسلك النظر كأبي إسحاق الزجاج وأبي علي الفارسي ، وشغف كثير بنقل القصص عن الإسرائيليات ، فكثرت في كتبهم الموضوعات ، إلى أن جاء في عصر واحد عالمان جليلان أحدهما بالمشرق ، وهو العلامة أبو القاسم محمود الزمخشري ، صاحب « الكشاف » ، الآخر بالمغرب بالأندلس وهو الشيخ عبد الحق بن عطية ، فألف تفسيره المسمى ب « المحرر الوجيز » ، كلاهما يغوص على معاني الآيات ، ويأتي بشواهدها من كلام العرب ويذكر كلام المفسرين إلا أن منحى البلاغة والعربية بالزمخشري أخص ، ومنحى الشريعة على ابن عطية أغلب ، وكلاهما عضادتا الباب ، ومرجع من بعدهما من أولي الألباب . وقد جرت عادة المفسرين بالخوض في بيان معنى التأويل ، وهل هو مساو للتفسير