محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
6
كشف الأسرار النورانية القرآنية
والجند ، ولذلك ذكر وجمع الظهور . ( الثالث ) . أن هذا التأنيث ليس تأنيثا حقيقيا فجاز أن يختلف اللفظ فيه كما يقال عندي من النساء من يوافقك . ( الثاني ) : يقال ركبوا الأنعام ، وركبوا في الفلك ، وقد ذكر الجنسين فكيف قال تركبون ؟ والجواب غلب المتعدي بغير واسطة لقوته على المتعدي بواسطة ، ثم قال تعالى : ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ [ الزّخرف : الآية 13 ] . ومعنى ذكر نعمة اللّه أن يذكروها في قلوبهم ، وذلك الذكر هو أن يعرف أن اللّه تعالى خلق وجه البحر وخلق الرياح وخلق جرم السفينة على وجه يتمكن الإنسان من تصريف هذه السفينة إلى أي جانب شاء ، وأراد فإذا تذكر أن خلق البحر ، وخلق الرياح وخلق السفينة على هذه الوجوه القابلة لتصريفات الإنسان ولتحريكاته ليس عن ذلك وإنما هو من تدبير الحكيم العليم عرف أن ذلك نعمة عظيمة من اللّه تعالى ، فيحمله ذلك على الانقياد والطاعة له تعالى ، وعلى الاشتغال بالشكر لنعمه التي لا نهاية لها ، ثم قال تعالى : وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [ الزّخرف : الآية 13 ] . ( اعلم ) أنه تعالى عين ذكرا معينا لركوب السفينة ، وهو قوله : ( بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها ) . ( اعلم ) أن ركوب الفلك في خطر الهلاك فإنه كثيرا ما تنكسر السفينة ويهلك الإنسان ، وراكب الدابة أيضا كذلك ، لأن الدابة قد يتفق لها اتفاقات توجب هلاك الراكب ، وإذا كان كذلك فركوب الفلك والدابة توجب تعريض النفس للهلاك فوجب على الراكب أن يتذكر أمر الموت ، وأن يقطع أنه هالك لا محالة وأنه منقلب إلى اللّه تعالى غير منقلب من قضائه وقدره حتى لو اتفق له ذلك المحذور كان وطن نفسه على الموت . ( في قوله تعالى : أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ النّمل : الآية 63 ] ) ( اعلم ) أنه تعالى نبه في هذه الآية على أمرين : ( الأول ) : أن الهادي في الحقيقة ونفس الأمر هو الفاعل المختار وحده . ( الثاني ) : قوله : أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ والمراد يهديكم بالعلامات في الأرض ، وبالنجوم في السماء إذا جن الليل عليكم مسافرين في البر والبحر ، وفيه بحثان :