محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
54
كشف الأسرار النورانية القرآنية
أهلهما أرباب اختلاف الظل ، لأن أرباب المنطقة المعتدلة الشمالية يرون الشمس في الجنوب ، وأرباب المنطقة المعتدلة الجنوبية يرونها في الشمال ، وأما الرابعة والخامسة فإحداهما من مبتدأ الدائرة القطبية الشمالية إلى القطب الشمالي ، والأخرى من مبتدأ الدائرة القطبية الجنوبية إلى القطب الجنوبي ، وفيهما غاية اشتداد البرودة ، ويسمى أهلهما أرباب الظل الدوار ، لأن الظل في زمن صيفهم يدور حولهم . ( واعلم ) أنه يوجد في الكرة السماوية دوائر أنصاف النهار ، ودوائر متوازية ودائرة معدل النهار ودائرة وسط فلك البروج ، وهذه الدائرة الأخيرة هي دائرة وسط فلك البروج الذي هو منطقة منتهية بدائرتين متوازيتين لدائرة وسط فلك البروج ، وعرض هذه المنطقة نحو سبع عشرة درجة ، وفيها سائر الدوائر التي تمر فيها الكواكب ، ثم إن منطقة فلك البروج منقسمة إلى اثني عشر برجا ، وكل برج ثلاثون درجة وفي كل برج جملة من الكواكب ، ثم إن الشمس تقطع بسيرها في كل فصل من فصول السنة ثلاثة بروج للربيع الحمل والثور والجوزاء ، وللصيف السرطان والأسد والسنبلة ، وللخريف الميزان والعقرب والقوس ، وللشتاء الجدي والدلو والحوت كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 5 ) [ يونس : الآية 5 ] . ( المسألة التاسعة ) : ما يكون عليه الليل والنهار ، إن دائرة الاستواء مستوى الليل والنهار في سائر أيام السنة ، وكلما حصل التباعد عن هذه الدائرة جهة الشمال والجنوب طال نهار الصيف وليل الشتاء بحسب كيفية البعد قلة وكثرة فأعظم طول النهار في دائرة القطب أربع وعشرون ساعة ، وأعظم طوله إلى نفس القطب يكون من أربع وعشرين ساعة إلى ستة أشهر على حسب قرب الأقاليم وبعدها كقوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ( 37 ) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 38 ) . معناه نسلخ النهار من الليل أي نميزه منه يقال انسلخ النهار من الليل إذا أتى آخر النهار ودخل أول الليل وسلخه اللّه منه فانسلخ هو منه ، وأما إذا استعمل بغير كلمة من فقيل : سلخت النهار أو الشمس فمعناه دخلت في آخره ، فإن قيل فالليل في نفسه آية فأية حاجة إلى قوله نسلخ منه النهار ، فنقول : الشيء يتبين بضده منافعه ومحاسنه ، ولهذا لم يجعل اللّه تعالى الليل وحده آية في موضع من المواضع إلا وذكر آيات النهار معها ، وقوله : فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ [ يس : الآية 37 ] . أي داخلون في الظلام وإذا للمفاجأة أي ليس بيدهم بعد ذلك أمر ولا بد لهم من الدخول فيه .