محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

35

كشف الأسرار النورانية القرآنية

ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر ؛ لأنه قد دل على فعله مثل قولك أفعل وكرامة لأنه لما قال أفعل علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال فكان المعنى أفعل ذلك وأكرمك كرامة . قال ابن عباس : يريد حفظ السماء بالكواكب من كل شيطان مارد يريد الذي تمرد على اللّه قيل إنه الذي لا يتمكن منه وأصله من الملاسة ، ومنه قوله : صَرْحٌ مُمَرَّدٌ [ النّمل : الآية 44 ] ومنه الأمرد وقوله : مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ [ التّوبة : الآية 101 ] . ( البحث الثاني ) : هذه الشهب هل هي من الكواكب التي زين اللّه السماء بها أم غيرها فالقسم الأول باطل ؛ لأن هذه الشهب تبطل وتضمحل فلو كانت هذه الشهب تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السماء ، ومعلوم أن هذا المعنى لم يوجد البتة فإن أعداد كواكب السماء باقية على حالة واحدة من غير تغير البتة ، وأيضا فجعلها رجوما للشياطين مما يوجب وقوع النقصان في زينة السماء فكان الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض ، وأما القسم الثاني وهو أن يقال : إن هذه الشهب جنس آخر غير الكواكب ، فهذا أيضا مشكل لأنه تعالى قال في سورة تبارك الذي بيده الملك : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [ الملك : الآية 5 ] . فالضمير في قوله : وَجَعَلْناها [ الأنبياء : الآية 91 ] عائد إلى المصابيح فوجب أن تكون تلك المصابيح هي الرجوم بأعيانها من غير تفاوت . ( والجواب ) : أن هذه الشهب غير تلك الثواقب الباقية ، وأما قوله تعالى : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [ الملك : الآية 5 ] . فنقول كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه الدهر آمنة من التغير والفساد ، ومنها ما لا يكون كذلك وهي هذه الشهب التي يحدثها اللّه تعالى ويجعلها رجوما للشياطين وبهذا التقدير فقد زال الإشكال . ( المسألة السادسة ) : الشيطان مخلوق من النار قال تعالى حكاية عن إبليس : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ [ الأعراف : الآية 12 ] . وقال : وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ( 27 ) [ الحجر : الآية 27 ] . وإذا كان كذلك فكيف يعقل إحراق النار بالنار . ( والجواب ) : يحتمل أن الشياطين وإن كانوا من النيران إلا أنها نيران ناقصة قابلة للزيادة فإذا ظهرت إلى نيران الشهب لحقت بها بطريقة الجاذبية كالصاعقة وبعض الأبنية العالية