محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
32
كشف الأسرار النورانية القرآنية
الدنيا من الناس ، والمصابيح السرج سميت بها الكواكب والناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح فقيل ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم بها وفيه بمصابيح أي بمصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة ، وأما قوله تعالى : وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [ الملك : الآية 5 ] . ( فاعلم ) أن الرجوم جمع رجم وهو مصدر سمي به ما يرجم به ، وذكروا في معنى هذه الآية وجهين . ( الأول ) : أن الشياطين إذا أرادوا استراق السمع رجموا بها ، فإن قيل جعل الكواكب زينة للسماء يقتضي بقاءها واستمرارها وجعلها رجوما للشياطين ورميهم بها يقتضي زوالها ، والجمع بينهما متناقض . ( قلنا ) : ليس معنى رجم الشياطين هو أنهم يرمون بأجرام الكواكب ، بل يجوز أن ينفصل من الجو شعل ترمى الشياطين بها كما قدمنا الإشارة إلى ذلك ، وتلك الشعل هي الشهب وما ذاك إلا كقبس يؤخذ من نار والنار باقية . ( والوجه الثاني ) : في تفسير كون الكواكب رجوما للشياطين إنا جعلناها ظنونا ورجوما بالغيب لشياطين الإنس وهم الأحكاميون من المنجمين . ( المسألة الثانية ) : اعلم أن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن هذه الكواكب في السماء الدنيا ، وذلك لأن السماوات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا أو كانت في سماوات أخرى فوقها فهي لا بد وأن تظهر في السماء الدنيا وتلوح منها ، فعلى التقديرين تكون السماء الدنيا مزينة بهذه المصابيح . ( في قوله تعالى : وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ( 8 ) [ الجنّ : الآية 8 ] ) اللمس المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف يقال لمسه والتمسه ، ومثله الجس يقال جسوه بأعينهم وتجسسوه ، والمعنى طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها ، والحرس اسم مفرد في معنى الحراس كالخدم في معنى الخدام ، ولذلك وصف بشديدا ولو ذهب إلى معناه لقيل شددا ، وأما قوله تعالى : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً ( 9 ) [ الجنّ : الآية 9 ] . ففي قوله : رَصَداً . وجوه : ( أحدها ) : قال مقاتل يعني رميا من الشهب ورصدا من الملائكة ، وعلى هذا يجب أن يكون التقدير شهابا ورصدا لأن الرصد غير الشهاب ، وهو اسم جمع لراصد .