محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
28
كشف الأسرار النورانية القرآنية
( الثالث ) : يجوز أن يكون المراد بهذه الزينة كيفية طلوعها وغروبها . ( الرابع ) : أن الإنسان إذا نظر في الليلة الظلماء إلى سطح الفلك ، ورأى هذه الجواهر والزواهر مشرقة لامعة متلألئة على ذلك السطح الأزرق ، فلا يشك أنها أحسن الأشياء وأكملها في التركيب والجوهر ، وكل ذلك يفيد كون هذه الكواكب زينة . ( الخامس ) : أن اللّه تعالى زين السماء الدنيا بمقدار عظيم من الأجرام السماوية الفلكية المالئة للفضاء ، وهي لا حد لها ولا يمكن إحصاؤها كما أن القدرة الإلهية لا حصر لمتعلقاتها ، والأرض جرم منها وتنقسم تلك الأجرام باعتبار حركاتها أو طبيعتها إلى نجوم تسمى بالشموس ، وكواكب وتوابع وذوات أذناب ، وكلها بحسب الظاهر مثبة في القبوة المسماة بالسماء الشبيهة بسطح باطن كرة عظيمة تشغل الأرض مركزها ، والمراد بالنجوم المسماة بذلك حقيقة النجوم الثوابت ، وهي يشرق منها ضوء مخصوص بها ، ومنها الشمس ، وتنقسم بالنظر لتلك المقادير إلى نجوم من القدر الأول والثاني والثالث وهكذا إلى ما وراء القدر السادس وهو لا يشاهد جيدا . ( المسألة الثانية ) : حفظها من كل شيطان مارد كما قال تعالى : وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ( 7 ) [ الصّافات : الآية 7 ] . وفي ذلك بحثان : ( الأول ) : فيما يتعلق باللغة فقوله تعالى : وَحِفْظاً . أي وحفظناها حفظا قال ابن عباس : يريد حفظ السماء بالكواكب من كل شيطان مارد يريد الذي تمرد على اللّه تعالى قيل : إنه لا يتمكن منه . ( الثاني ) : أن جعلها زينة وحفظا يقتضي بقاءها ، فإن قيل : هلا يناقض هذا قوله تعالى في سورة تبارك : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [ الملك : الآية 5 ] . ( قلنا ) : ليس معنى رجم الشياطين هو أنهم يرمون بأجرام الكواكب ، بل يجوز أن منفصل من الكواكب شعل ترمى الشياطين بها ، وتلك الشعل هي الشهب ، وما ذاك إلا كقبس يؤخذ من نار والنار باقية ، وقيل في تفسير قوله تعالى : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [ الملك : الآية 5 ] . أن الضمير في جعلنا عائد إلى المصابيح ، فوجب أن تكون تلك المصابيح هي الرجوم بأعيانها ، والجواب حينئذ أن هذه الشهب غير تلك الثواقب الباقية . وأما كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه الدهر آمنة من التغير ، والفساد ومنها ما لا يكون كذلك .