محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

26

كشف الأسرار النورانية القرآنية

تقديم البرق على تنزيل الماء من السماء نعمة وآية . وأما كونه آية فظاهر فإن السحاب ليس إلا ماء وهواء . ( المسألة الثالثة ) : قال هاهنا : لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ الجاثية : الآية 5 ] . لما كان حدوث الولد من الوالد أمرا عاديا مطردا قليل الاختلاف كأن يتطرق إلى الأوهام العامية . إن ذلك بالطبيعة ؛ لأنه أقرب للطبيعة من المختلف لكن البرق والمطر ليس أمرا مطردا غير مختلف ، ومثل تلك الآثار الجوية النارية إذ تقع ببلدة دون بلدة ، وفي وقت دون وقت ، وتارة تكون قوية ، وتارة تكون ضعيفة فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار . ( ومن الآثار الضوئية الجوية النارية أشياء ) : الأول الفجر قال تعالى : وَالْفَجْرِ ( 1 ) وَلَيالٍ عَشْرٍ ( 2 ) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ( 3 ) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ( 4 ) . [ الفجر : الآيات 1 - 4 ] ( اعلم ) أن هذه الأشياء التي أقسم اللّه بها لا بد وأن يكون فيها فائدة دينية مثل كونها دلائل باهرة على التوحيد أو فائدة دنيوية توجب بعثا على الشكر أو مجموعهما ، ولذلك كثرت الآراء في تفسير هذه الأشياء واختلفت اختلافا شديدا فكل أحد فسره بما رآه أعظم درجة في الدين ، وأكثر منفعة في الدنيا . أما قوله : وَالْفَجْرِ ( 1 ) [ الفجر : الآية 1 ] . فذكروا فيه وجوها : ( منها ) : ما روي عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أن الفجر هو الصبح المعروف فهو انفجار الصبح الصادق والكاذب ، وأقسم اللّه به لما يحصل به من انقضاء الليل وظهور الضوء ، فيكون من الصادق انتشار الناس ، وسعي الحيوانات من الطيور والوحوش في طلب الأرزاق ، وذلك مشاكل لنشور الموتى من قبورهم ، وفيه عبر لمن تأمل وهذا كقوله : وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ( 34 ) [ المدّثّر : الآية 34 ] . وتمدح في آية أخرى بكونه خالقا له ، فقال تعالى : فالِقُ الْإِصْباحِ [ الأنعام : الآية 96 ] . وأما الكاذب ويسمى بالفجر الشمالي فربما كان هو أجمل الآثار الجوية الضوئية بسبب كثرة إضاءته وطول إقامته ، وغريب تشكلاته ، والغالب كونه على هيئة أقواس كثيرة مضيئة تجتاز فيما بينها شعل نارية ، وتسير متجهة نحو نقطة واحدة من السماء ، والاعتبار العظيم فيها