محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

19

كشف الأسرار النورانية القرآنية

المياه ، والغالب حصول هذين العملين معا في آن واحد ، ويوجد في جميع الأحوال دائما مخروط أو أكثر من مائع يدور على نفسه بسرعة ، ويجذب في دوامته الهواء والماء والحيوانات التي يصادفها ، ويدع في باطنه خلوا قليل الاضطراب ، وقد يوجد مخروطان متعارضا القاعدة متلامسا القمة ، ويشاهد غالبا على سطح الكتلة المتحركة ثوارات ذات أصوات قوية ، ثم إن تلك الزوبعة تنتهي بإرسالها مطرا غزيرا أو بردا ، وتسعى في مدتها التي هي قصيرة على سطح الماء بدون أن تتبع اتجاها معينا ، وإذا صادفت في طريقها سفينة جذبتها معها . وأما الزوابع الأرضية فتكون على شكل عمود عظيم من هواء أو غبار أو بخار يدور على نفسه بسرعة عظيمة ، ويتلف في سيره السريع الهائم ما يجده في ممره فتخف المستنقعات والبحيرات برفعه كتلة عظيمة منها ، وجذبه لها في دوامته ، ونقله لها إلى محال بعيدة جدا ، وتغطية الأرض التي تقع ببقايا تلك الأشياء المجذوبة أو بطوفان مائي ، ومدة هذا الحادث وامتداده ونتائجه يختلفان كثيرا وقليل من الزوابع ما تحدث عنه حوادث غريبة مدهشة . ( في بيان قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ( 12 ) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ ( 13 ) ) ( اعلم ) أن اللّه تعالى لما خوف العباد بإنزال ما لا مرد له اتبعه بذكر هذه الآيات ، وهي مشتملة على أمور ثلاثة ، وذلك لأنها دلائل على قدرة اللّه تعالى ، وأنها تشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه وتشبه العذاب والقهر من بعض الوجوه : ( واعلم ) أنه تعالى ذكر هاهنا أمورا أربعة : ( الأول البرق ) : وهو قوله تعالى : يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً [ الرّعد : الآية 12 ] . و فيه مسائل : ( المسألة الأولى [ في القراءات ] ) : قال صاحب الكشاف في انتصاب قوله : خَوْفاً وَطَمَعاً [ الأعراف : الآية 56 ] . وجوه : ( والأول ) : لا يصح أن يكون مفعولا لهما لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع ، أو على معنى إخافة وإطماعا .