محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

144

كشف الأسرار النورانية القرآنية

وجه الاستدلال به أن التقطيب لا يكون إلا من الشديد ؛ ولأن المزج بالماء كان لقطع الشدة بالنص ؛ ولأن اغتلام الشراب سكرة كما اغتلام البعير شدته . ( الوجه الثالث ) : التمسك بآثار الصحابة ، والجواب عن الأول أن قوله تعالى : تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [ النّحل : الآية 67 ] . نكرة في الإثبات فلم قلتم : إن ذلك السكر والرزق الحسن هو هذا النبيذ ، وقد أجمع المفسرون على أن تلك الآية نزلت قبل هذه الآيات الثلاث الدالة على تحريم الخمر فكانت هذه الثلاثة ؛ إما ناسخة ، وإما مخصصة لها . وأما الحديث فلعل ذلك النبيذ كان ماء نبذت تمرات فيه لتذهب الملوحة فتغير طعم الماء قليلا إلى الحموضة وطبعه - عليه السّلام - في غاية اللطافة فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطعم ؛ فلذلك قطب وجهه ، وأيضا كان المراد بصب الماء فيه إزالة ذلك القدر من الحموضة أو الرائحة ، وبالجملة فكل عاقل يعلم أن الأعراض عن تلك الدلائل التي ذكرناها بهذا القدر من الاستدلال الضعيف غير جائز . وأما آثار الصحابة فهي متدافعة متعارضة فوجب تركها والرجوع إلى ظاهر كتاب اللّه وسنة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فهذا تمام الكلام في حقيقة الخمر ، قرأ حمزة والكسائي كثير بالثاء المنقوطة من فوق ، والباقون بالباء المنقوطة من تحت ، حجة حمزة والكسائي أن اللّه تعالى وصف أنواعا كثيرة من الإثم في الخمر والميسر ، وهو قوله : فذكر أعدادا من الذنوب فيهما ، ولأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعن عشرة بسبب الخمر ، وذلك يدل على كثرة الإثم فيهما ؛ ولأن الإثم في هذه الآية كالمضاد للمنافع ؛ لأنه قال : فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ [ البقرة : الآية 219 ] . فكما أن المنافع أعداد كثيرة فهكذا الإثم فصار التقدير كأنه قال فيهما مضار كثيرة ومنافع كثيرة . وحجة الباقين أن المبالغة في تعظيم الذنب إنما تكون بالكبر لا بكونه كثيرا يدل عليه قوله تعالى : كَبائِرَ الْإِثْمِ [ الشّورى : الآية 37 ] . و ( كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) ( إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً ) . ( المسألة السادسة في حقيقة الميسر ) : اعلم أن الميسر مصدر من يسر كالموعد ، والمرجع من فعلهما يقال : يسرته إذا قمرته . واختلفوا في اشتقاقه على وجوه : ( أحدها ) : قال مقاتل : اشتقاقه من اليسر ؛ لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب كانوا يقولون : يسروا لنا ثمن الجزور . أو من اليسار ؛ لأنه مسبب ليساره ، وعن ابن عباس كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله .