محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

133

كشف الأسرار النورانية القرآنية

برجحان الإثم والعقاب ، وذلك يوجب التحريم ، فإن قيل : إن الآية لا تدل على أن شرب الخمر إثم ، بل تدل على أن فيه إثما ، فهب أن ذلك الإثم حرام فلم قلتم إن شرب الخمر لما حصل فيه ذلك الإثم وجب أن يكون حراما ؟ قلنا : لأن السؤال كان واقعا عن مطلق الخمر فلما بين تعالى أن فيه إثما كان المراد أن ذلك الإثم لازم له على جميع التقديرات فكان شرب الخمر مستلزما لهذه الملازمة المحرمة ، ومستلزم المحرم محرم فوجب أن يكون الشرب محرما ، ومنهم من قال : إن هذه الآية لا تدل على حرمة الخمر واحتج عليه بوجوه : ( أحدهما ) : أنه تعالى أثبت فيها منافع للناس والمحرم لا يكون فيه منفعة . ( والثاني ) : لو دلت هذه الآية على حرمتها فلم لم يقنعوا بها حتى نزلت آية المائدة ، وآية تحريكها في الصلاة . ( والثالث ) : أنه تعالى أخبر أن فيهما إثما كبيرا فمقتضاه أن ذلك الإثم الكبير يكون حاصلا ما داما موجودين ، فلو كان ذلك الإثم الكبير سببا لحرمتها لوجب القول بثبوت حرمتها في سائر الشرائع ، والجواب عن الأول أن حصول النفع العاجل فيه في الدنيا لاستخراج الأشياء بواسطتها لا يمنع كونه محرما ، ومتى كان كذلك لم يكن حصول النفع فيهما مانعا من حرمتها ؛ لأن صدق الخاص يوجب صدق العام ، والجواب عن الثاني أنا روينا عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أنها نزلت في تحريم الخمر ، والتوقف الذي ذكرته غير مروي عنهم ، وقد يجوز أن يطلب الكبار من الصحابة الكرام نزول ما هو آكد من هذه الآية في التحريم كما التمس إبراهيم - صلوات اللّه عليه - مشاهدة إحياء الموتى ليزداد سكونا وطمأنينة ، والجواب عن الثالث أن قوله : فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ [ البقرة : الآية 219 ] . إخبار عن الحال لا عن الماضي ، وعندنا أن اللّه تعالى علم أن شرب الخمر مفسدة لهم في عقولهم وأبدانهم فهذا تمام الكلام في هذا الباب . ( المقام الثالث ) : الإثم الكبير فيه بحثان : ( البحث الأول ) : وفيه أمور : ( إحداها ) : أن عقل الإنسان أشرف صفاته ، والخمر عدو العقل ، وكل ما كان عدوا