محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
8
كشف الأسرار النورانية القرآنية
القفال : ملك فهدى . وتأويله أنه خلق فسوى وملك ما خلق ، أي تصرف فيه كيف شاء وأراد ، وهذا هو الملك ، فهاداه لمنافعه ومصالحه ، ومنهم من قال : هما لغتان بمعنى واحد ، وعليه قوله تعالى : فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( 23 ) [ المرسلات : الآية 23 ] . ( الثالث ) : أن قوله تعالى : قَدَّرَ [ الأعلى : الآية 3 ] . يتناول المخلوقات في ذواتها وصفاتها ، كل واحد على حسبة ، فقدر السماوات والأرض والكواكب والعناصر والمعادن والنبات والحيوان والإنسان بمقدار مخصوص من الجثة والعظم ، وقدر لكل واحد منها من البقاء مدة معلومة ، ومن الصفات والألوان والطعوم والروائح والأوضاع والحسن والقبح والسعادة والشقاوة والهداية والضلالة مقدارا معلوما كما قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 21 ) [ الحجر : الآية 21 ] . وتفصيل هذه الآية الشريفة بخصوصها مما لا يفي شرحه مجلدات ؛ لأنه داخل فيها جميع الأشياء ، حتى العوالم كلها من أعلى عليين إلى أسفل السافلين داخلة في تفسير هذه الآية ، ولنرجع إلى تتمة تفسير الآية السابقة فنقول : أما قوله : فَهَدَى [ البقرة : الآية 213 ] . فالمراد أن كل مزاج فهو مستعد لقوة خاصة ، وكل قوة فإنها لا تصلح إلا لفعل معين ، فالتسوية المفهومة من قوله : فَسَوَّى [ الأعلى : الآية 2 ] . والتقدير المفهوم من قوله : قُدِرَ [ الطّلاق : الآية 7 ] . قبل قوله : فَهَدَى [ البقرة : الآية 213 ] . عبارة عن التصريف في الأجزاء الجسمانية وتركيبها على وجه خاص ؛ لأجل أن تستعد لقبول تلك ، وقوله : فَهَدَى [ البقرة : الآية 213 ] . عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأجزاء الأعضاء والأجرام ، بحيث تكون كل قوة مصدرا لفعل معين ، فيحصل من مجموعهما تمام المصلحة . ولنشرع الآن في ذكر ما قرره الجيولوجيون ، أي العلماء الذين بحثوا في الكتلة الأرضية ، وشاهدوا طبقات الأرض ، وعاينوا حقائقها وحقائق الأحجار الفحمية التي قصدنا بيانها ، كما أشرنا إلى ذلك في الخطبة فنقول : « بيان الأحجار الفحمية » وفيه مباحث : [ المبحث الأول فيما يتكون على سطح الأرض وفي تجاويف منها ] ( الأول ) : اعلم أنه يتكون على سطح الأراضي الغازية يوميا في تجاويف منها وفي الأودية ذات الانحدار القليل ، وفي الأماكن المنخفضة ذات المستنقعات رسوبات من نباتات متى تحللت تحصل منها جسم قابل للاحتراق ، ولا تتكون هذه الرسوبات إلا في أحوال مخصوصة ، فلا تتكون في المياه الجارية ولا في البرك العميقة ولا في المحال التي يجف