محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
7
كشف الأسرار النورانية القرآنية
المقدمة في « الأحجار الفحمية وما يتعلق بذلك » في بيان قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 ) [ يس : الآية 80 ] . اعلم أن النار من جملة المنافع العظيمة المحتاج إليها جميع العباد ، وهي ناشئة من الصمغية والشمعية المودعتين في الشجر ، والجعل هنا بمعنى الخلق ، أي خلق لكم ولمنفعتكم من الشجر الأخضر نارا ، ولا معارضة « 1 » في جعله من ذلك نار ، فالذي قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها ، قدر سبحانه وتعالى على خلق الصمغ والشمع في الشجر كما قال تعالى : أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( 71 ) [ الواقعة : الآية 71 ] . أي تقدحون أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 ) [ الواقعة : الآية 72 ] . وفي تفسير شجرة النار وجهان : ( أحدهما ) : أن الشجر التي تصلح لإيقاد النار هي الحطب ، فإنها لو لم تكن لم يسهل علينا إيقاد النار ولم يتيسر . ( وثانيهما ) : أصول شعلها الساري بها المتولد بخلقه تعالى منها ، ينتشر بها لأجل تغذيها ، ويحيله تعالى بقدرته إلى سوائل دهنية ، فلو لم يجعلها تعالى ذات شعل ، لما صلحت لإنضاج الأشياء ، فمن قدر على إحداث هذه الدهنية التي هي أصل الشعل قدر على إحداث النار في الشجر ؛ لأنه على كل شيء قدير ، ولا شك عند كل عاقل أنه تعالى هو المخرج للأشجار والنباتات كما قال تعالى : وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى ( 4 ) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى ( 5 ) [ الأعلى : 4 ، 5 ] . قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : المرعى هو الكلأ الأخضر ، والغثاء من النبات ما حملته المياه وسيرته مع الزبد بقدرته تعالى ، ورسب وانطم في الكدرات ، وقوله تعالى : أَحْوى . أي أسود ، أي اكتسب بعد الزمن الذي انطم فيه سواد انتشر به مكتسبا من الأرض ، فإن قيل : هل يعلم قدر المدة التي يصير فيها الغثاء أحوى ؛ أي أسود ؟ قتلت : لا يعلم ذلك ؛ ولا يعلم أيضا أزمان تكون طبقات الأرض إلا اللّه تعالى كما قال تعالى : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ( 2 ) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ( 3 ) [ الأعلى : 2 ، 3 ] . وفيه أسئلة : ( الأول ) : هو أنه تعالى قادر على كل الممكنات ، منفرد سبحانه وتعالى بعلم جميع المعلومات ، خلق ما أراد على وفق ما أحب وأراد ، موصوفا بالإحكام والإتقان والكمال والعرفان ، مبرأ عن العبث والاختلال وعن العلة والاعتلال . ( الثاني ) : قرأ الجمهور قَدَّرَ [ الأعلى : الآية 3 ] مشددة ، وقرأ الكسائي على التخفيف ، أما قراءة التشديد ، فالمعنى أنه قدر كل شيء بمقدار معلوم ، وأما التخفيف فقال
--> ( 1 ) قوله : ولا معارضة . . . إلخ . تأمل هذه العبارة فإنها لا تكاد تظهر . اه .