محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

44

كشف الأسرار النورانية القرآنية

خلق اللّه على وجه الأرض لما فيهم من البيان والنطق والتدبير واستخراج العلوم وفيهم الأنبياء عليهم السّلام والدعاة إلى اللّه تعالى والأنصار لدينه وكل ما في الأرض مخلوق لهم أي لأجلهم ، وأمر الملائكة عليهم السّلام بالسجود لآدم عليه السّلام وعلمه الأسماء كلها قال تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : الآية 31 ] وقد قال اللّه تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : الآية 70 ] . فيكون القسم بجميع الآدميين صالحهم وطالحهم لم ذكرنا من ظهور العجائب في هذه البنية والتركيب ، وقيل : هو قسم آدم والصالحين من أولاده بناء على أن الطالحين كأنهم ليسوا من أولاده وكأنهم بهائم كما قال : إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الفرقان : الآية 44 ] . وقال : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) [ البقرة : الآية 18 ] . ( وثانيها ) : أن الوالد إبراهيم وإسماعيل وما ولد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ وذلك لأنه أقسم بمكة وإبراهيم بانيها وإسماعيل ومحمد عليهم السّلام سكانها ، وفائدة التنكير الإبهام المشعر بالمدح والتعجب ، وإنما قال : وما ولد . ولم يقل : ومن ولد . للفائدة الموجودة في قوله : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ [ آل عمران : الآية 36 ] . أي بأيّ شيء وضعت يعني موضوعا عجيب الشأن . ( وثالثها ) : الوالد إبراهيم وما ولد جميع ولد إبراهيم بحيث يحتمل العجم والعرب فإن جملة ولد إبراهيم هم سكان البقاع الفاضلة من أرض الشام ومصر وبيت المقدس وأرض العرب ومنهم الروم ؛ لأنهم ولد العيص بن إسحاق عليه السّلام ومنهم من خص ذلك بولد إبراهيم من العرب ومنهم من خصه بالعرب المسلمين ، وإنما قلنا : إن هذا القسم واقع بولد إبراهيم المؤمنين ؛ لأنه قد شرع في التشهد أن يقال كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وهم المؤمنون . ( ورابعها ) : عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أنه قال : الوالد الذي يلد ، وما ولد الذي لا يلد ، فما هاهنا يكون للنفي ، وعلى هذا لا بد من إضمار الموصول أي ووالد والذي ما ولد ، ولذلك لا يجوز عند البصريين . ( وخامسها ) : يعني كل ولد ومولود ، وهذا مناسب ؛ لأن حرمة الخلق كلهم داخلة في هذا الكلام . وأما قوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ( 4 ) [ البلد : الآية 4 ] . ففيه وجوه : [ وجه الأول في قول صاحب الكشاف في التعب والمشقة ] ( أحدها ) : قال صاحب الكشاف : إن الكبد أصله من قولك كبد الرجل كبدا فهو أكبد إذا وجعت كبده وانتفخت فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة ، ومنه اشتقت المكابدة كما قيل كبته بمعنى أهلكه ، وأصله كبده إذا أصاب كبده ، وقال آخرون : الكبد شدة الأمر