محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
36
كشف الأسرار النورانية القرآنية
ومخ وقلب ومعدة وأحشاء مكملة لجهاز هضمي ، وكل ذلك علامات واضحة تدل على وجود حس وحركة إرادية فيها ، وإذا انفصل منها جزء لا يتكون حيوان مثلها كما يحصل في الرتبتين السابقتين ، فإن الحيوان فيها إذا انقطع قطعا ، تكون منه حيوانات بقدرها ، نعم الجزء المفصول في هذه يخلفه جزء آخر حيوانات بقدرها إذا كان الجزء بعيدا عن الأعضاء المركزية الرئيسية وإلا مات الحيوان ، والحياة في الحيوان ذي الدم الأحمر البارد التي منها السحالي والأفاعي تكون أظهر منها في الذي قبله بسبب أنها متعلقة بالمشاركة بين الأعضاء ، فإذا قطع عضو منها لا يخلق غيره ولا يتولد بدله إلا تولدا غير كامل ، وهذا الحيوان يزيد عما قبله بأن له رئتين وبأنه كثيرا ما يحصل له في أيام الشتاء سبات وخدر به يصير عديم الحس والحركة حتى تظهر حرارة الربيع فتوقظه ، ويعود له الحس والحركة ، وفي الحيوان ذي الدم الأحمر الحارّ تكون أكثر وضحا مما قبله بسبب زيادة تركب بنية أجسامه عما قبله ، فإنه يوجد فيه : عمود فقاري ، وأربعة أطراف ، ومخ ، ونخاع ، وأعضاء الحواس الخمس الظاهرة ، وقناة الهضم ، وما يتعلق بها من الأحشاء ، وقلب له بطنان وأذنان وأوردة وأعصاب وشرايين وأوعية لينفاوية ، ورئتان كبيرتا الحجم ، والإنسان الذي هو في أعلى درجة من سلسلة الحيوانات هو في رتبة هذا الحيوان ، لكن يفضل عنه وعن جميع الكائنات بسبب ما اختص به من القوى العقلية وكمال حواسه وجمال صورته وحسن أشكال أعضائه وارتفاع وجهه وانتصاب قامته ، فهذه جملة الحيوان الموجودة في الكائنات . « النوع الثالث » [ في بيان الأقوال ] : وهو أن يقال : الحيوان الموجود ليس بجسم ولا جسمانية ، فهو قول أكثر الإلهيين من الفلاسفة القائلين ببقاء النفس ، المثبتين للنفس معادا روحانيا وثوابا وعقابا وحسابا روحانيا ، وذهب إليه جماعة عظيمة من علماء المسلمين ؛ مثل الشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي - رحمهما اللّه تعالى - ومن قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي ، ومن الشيعة الملقب عندهم بالشيخ المفيد ومن الكرامية جماعة . ( واعلم ) أن القائلين بإثبات النفس فريقان : ( الفريق الأول ) : وهم المحققون قالوا : النفس في الحيوان عبارة عن هذا الجوهر المخصوص ، وهذا البدن ، وعلى هذا فالحيوان غير موجود في داخل العالم ولا في خارجه ، وغير متصل بالعالم ، أي لا في داخله ولا في خارجه ، وغير متصل بالعالم ولا منفصل عنه ، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف ، كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير .