محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

35

كشف الأسرار النورانية القرآنية

مجهولة ، ولم يلزم من كونها مجهولة نفيها ، فكذلك هاهنا ، وهذا هو المراد من قوله عز من قائل : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : الآية 85 ] . « المسألة الثانية في حدوث الأرواح » : وفيها ثلاثة أنواع [ النوع الأول في كيفية تولد الأجسام النورانية ] : « أحدها » : أجسام هوائية مخلوقة بالحرارة متولدة في الدم بواسطة التنفس ومنه إلى المخ ، وقالوا : إنها هي الروح وإنها هي الإنسان . ثم اختلفوا فمنهم من يقول : الإنسان هو الروح الذي في الدم . ومنهم من يقول : إنه سائل نوراني في الدماغ والأعصاب . ومنهم من يقول : الروح عبارة عن أجزاء نورانية نارية مختلطة بالأعضاء الدماغية ، وتلك الأعضاء منبثة في الأوعية القلبية . ومن الناس من يقول : الروح عبارة عن أجسام نورانية سماوية لطيفة الجواهر على طبيعة ضوء الشمس ، وهي لا تقبل التحلل والتبدل ولا التفرق ولا التمزق ولا تمسك ولا توزن ، وهو المراد بقوله تعالى : فَإِذا سَوَّيْتُهُ [ الحجر : الآية 29 ] . أي أنفذت تلك الأجسام الشريفة السماوية الإلهية في داخل البدن وأعضائه نفاذ النار في الفحم ، ونفاذ تلك الأجسام السماوية في جوهر البدن هو المراد بقوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : الآية 29 ] . ثم إن البدن ما دام سليما قابلا لنفاذ تلك الأجسام الشريفة يبقى حيا ، فإذا تولدت في البدن أعراض عارضت تلك الأجسام فانفصلت عن هذا البدن فحينئذ يعرض الموت . « النوع الثاني » : « في الأجسام الموجودة لقبول الأجسام النورانية » : اعلم أن الحياة في النبات بسيطة ؛ إذ غاية منفعتها المقصودة منها فيه إنما هي التغذية والتوالد ، وأنه يزداد ظهورها في « الأخطبوط » الذي ليس هو إلا كيسا متكونا من جوهر لين يكاد أن يكون من طبيعة واحدة متجانسة ، وهو ومن رتبة الحيوانات التي منها اللؤلؤ ، وهي أول حيوان من سلسلة الحيوانات ؛ لأنه يوجد فيه من الحس والحركة ما لا يوجد في النبات إلا أن حركته ليست ذاتية ؛ لأنه لا يمكن أن يحكم عليها بأنها ناشئة عن إدراك وتخيل وإرادة ، بل إنما تصدر عن آلية البنية فيها ، ولا يقال إن في النبات المستحى فكرا وإرادة ؛ لأن الحس والحركة فيه لا يجاوزان المحل المتأثر منه ، ولا شك أيضا في أن الحياة تظهر واضحة جدّا في الدود بالنسبة إلى « الأخطبوط » ؛ لأنه يوجد فيه ألياف وأوعية ونخاع وقوة قابضة ، ويظهر أنها في الحيوانات القشيرية التي من نوع القوقع أوضح منها في التي قبلها ؛ لكون آلية البنية فيها أرقى مما قبلها بسبب تركب أعضائها ؛ لأنه يوجد فيها هيكل عظام وعضلات وأعصاب ونخاع