محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

34

كشف الأسرار النورانية القرآنية

هنا إنما هو الروح ، سيأتي موضحا ، وقال : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [ النّساء : الآية 113 ] . وقال : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : الآية 114 ] . وقال في صفة القرآن : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ الأنعام : الآية 59 ] . وكان عليه السّلام يقول : « أرنا الأشياء كما هي فمن كان هذا حاله وصفته فكيف يليق به أن يقول : أنا لا أعرف هذه المسألة . مع أنها من المسائل المشهورة المذكورة بين جمهور الخلق ، بل المختار عندنا أنهم سألوه عن الروح وأنه صلّى اللّه عليه وسلّم أجاب عنه على أحسن الوجوه ، وتقريره أن المذكور في الآية أنهم سألوه عن الروح ، والسؤال عن الروح يقع على وجهين : ( أحدهما ) : أن يقال : ما ماهية الروح ؟ أهو متحيز أو حال في المتحيز أو موجود غير متحيز ولا حال في المتحيز ؟ ( وثانيهما ) : أن يقال : الروح قديمة أو حادثة ؟ وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة ، وقوله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [ الإسراء : الآية 85 ] . ليس فيه ما يدل على أنهم سألوه عن هذه المسائل أو عن غيرها ، إلا أنه تعالى ذكر له جوابا عن هذا السؤال في قوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : الآية 85 ] . وهذا الجواب لا يليق إلا بالوجهين المتقدمين ، أما بيان الوجه الأول : فهم قالوا به بحسب مرادهم ما حقيقة الروح وماهيته أهو عبارة عن أجسام موجودة في داخل هذا البدن متولدة من امتزاج الأخلاق ؟ أو هو عبارة عن نفس هذا المزاج والتركيب أو هو عبارة عن موجود يغاير هذه الأجسام والأعراض ، وذلك بأن هذه الأجسام أو هو عبارة عن عرض آخر قائم بهذه الأجسام ؟ أشياء تحدث من امتزاج الأخلاط والعناصر ؟ وأما الروح فإنه ليس كذلك ، بل هو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث كما قال تعالى : كُنْ فَيَكُونُ [ الأنعام : الآية 73 ] . فقالوا : لم كان شيئا مغايرا لهذه الأجسام ولهذه الأعراض ، فأجاب اللّه تعالى عنه بأنه موجود يحدث بأمر اللّه تعالى وتكوينه وتأثيره في إفادة الحياة لهذا الجسد ، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نقيه ، فإن أكثر حقائق الأشياء وماهيتها مجهولة ، فإنا نعلم أنه يوجد في النباتات بعض حركات تثبت لها أصل الحياة ، فمنها ما يتبع سير الشمس نهارا بواسطة حركة دورية على ساقه ، ومنها ما يفتح أو يغلق تيجانه على حسب ظهور الشمس وغير ذلك ، وأيضا إن جميع الموجودات الآلية ، وإن كان كل منها تام الوظائف بالنسبة لجنسه ومنفعته المعد لها في الطبيعة ، إلا أنه تختلف فيها درجة الخواص المظهرة لحياتها الدالة على وجودها فيها ، فتتضح تلك الخواص ويقوى ظهورها ويتسع ميدانها كلما ارتقى النظر في سلسلة الموجودات الحية من الموجودات البسيطة إلى الإنسان الذي هو في أعلى درجة منها وعلى أتم نظام ، ولا شك أن الحياة في النبات بسيطة ؛ إذ غاية منفعتها المقصودة منها فيه إنما هي التغذية والتوالد ، فأما إذا أردنا أن نعرف ماهية تلك الحياة وحقيقتها المخصوصة فذاك غير معلوم ، فثبت أن أكثر الماهيات والحقائق