محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
21
كشف الأسرار النورانية القرآنية
حككته عليه ، والذي يخرج من بينهما مأخوذ يقال له : السنن . وسمي المسن مسنا ؛ لأن الحديد يسن عليه . ( السابع ) : قال الزجاج : هذا اللفظ مأخوذ من كون المسنون بمعنى الموضوع على سنن الطريق ؛ لأنه متى كان كذلك ، فلا بدّ أن يتغير تغيرا ما . ( الثامن ) : قال أبو عبيدة : المسنون المصوب ، يقال : سن الماء على وجهه إذا صبه . ( التاسع ) : قال سيبويه : المسنون الطين الرطب . وهذا يعود إلى قول أبي عبيدة ؛ لأنه إذا كان رطبا يسيل ، وينبسط على الأرض فيكون مسنونا ، أي مصبوبا ، ثم حوّله اللّه تعالى إلى جوهر آخر ، كما تقدم تفسيره موضحا . « المقالة الخامسة » في قوله تعالى : إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ( 71 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 72 ) [ ص : الآيتان 71 - 72 ] . « المقالة الخامسة » في كيفية استجماع البشر على القوة البهيمية والسبعية والكلبية ، وفيها سوالات أن المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحسد والكبر ؛ وذلك لأن إبليس إنما وقع فيما وقع فيه ؛ بسبب الحسد والكبر ، والكفار إنما نازعوا محمّدا صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ، بسبب الحسد والكبر أيضا ، فالله تعالى ذكر هذه القصة هاهنا ليصير سماعها زاجرا لهم عن هاتين الخصلتين المذمومتين ، والحاصل أنه تعالى رغب المكلفين في النظر والاستدلال ، ومنعهم عن الإصرار والتقليد ، وذكر في تقرير هذا النظر أمور ثلاثة : ( أوّلها ) : أنه نبأ عظيم ، فيجب النظر والتأمل فيه مع الاحتياط ؛ لأجل الاستدلال . ( والثاني ) : وأن قضية سؤال الملائكة عن الحكمة في تخليق البشر ، يدل على أن الحكمة الأصلية في تخليق آدم هي المعرفة والطاعة لا الجهل والتكبر . ( والثالث ) : إن إبليس إنما خاصم آدم - عليه السّلام - لأجل الحسد والكبر ، فيجب على العاقل أن يحترز عنهما ، فهذا هو حسن النظم في هذه الآيات . [ في السؤال الأول والثاني والثالث عن الملائكة وأجوبتها ] ( أسئلة ) : الأوّل : أن هذا النظم إنما يصح لو أمكن خلق البشر ، لا من الطين كما إذا قيل : إن متّخذ سوار من ذهب ، فهذا إنما يستقيم لو أمكن اتخاذه من فضة أو من غيرها . ( الثاني ) : ذكر هاهنا أنه خلق البشر من طين ، وفي سائر الآيات ذكر أنه خلقه من غيره ، كقوله تعالى : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [ آل عمران : الآية 59 ] . وكقوله : مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [ الحجر : الآية 26 ] .