محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
16
كشف الأسرار النورانية القرآنية
الإنسان تراب وماء ، فإنه تعالى جعل أصل تكون الجزئيات التي لا تتجزأ من الماء وتكونت منه المركبات ، وجعل تعالى التراب أجزاء دقيقة من أغلب المركبات ، وجعله أصلا للإنبات بدخول أصله عليه ، فصار التراب أصلا والماء أصلا أولياء وأصلا ثانويّا ، فإن جعل تعالى التراب أصلا والماء لجمع حياته ، فالأمر كذلك ، وإن جعل تعالى الأصل هو الماء والتراب متولد منه ، فالأمر كذلك أيضا ، فإن قال قائل : إن اللّه يعلم كل شيء ، فهو يعلم أن الأصل منهما ما هو . وإنما الأمر عندنا مشتبه يجوز هذا وذاك ، فإن كان الأصل هو التراب فكيف قال : خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً [ الفرقان : الآية 54 ] . وإن كان الماء فكيف قال : خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ [ الرّوم : الآية 20 ] . وإن كان الأصل من كل منهما فلم لم يقل : خلقكم منهما . فنقول في ذلك لطيفة : وهي أن كون التراب أصلا والماء أصلا أيضا ، ليس لذاتهما ، وإنما هو بجعل اللّه تعالى ، فإنه تعالى نظر لقدرته له أن يخلق أولا الإنسان ، ثم يفنيه ويجعل منه التراب ، ثم يذيبه فيجعل منه الماء ، لكن الحكمة اقتضت أن يكون الناقص وسيلة إلى الكامل لا الكامل وسيلة إلى الناقص ، فخلق التراب والماء أولا ، وجعلهما أصلين لمن هو أكمل منهما بل للذي هو أكمل من كل كائن وهو الإنسان ، فإن كونهما أصلين ليس أمرا ذاتيا لهما ، بل بجعل جاعل ، فتارة جعل الأصل التراب ، وتارة الماء ؛ لنعلم أن ذلك بإرادته واختياره ، فإن شاء جعل ذاك أصلا ، وإن شاء جعل ذاك أصلا ، وإن شاء جعلهما أصلين ، إن اللّه على كل شيء قدير . « المقالة الثانية » في قوله تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) [ الرّحمن : الآية 14 ] . وفي تفسير الصلصال قولان : ( أحدهما ) : هو بمعنى المسنون من صل اللحم إذا أنتن وتغير ، وهذا القول ضعيف لما سيأتي ، ويكون الصلصال حينئذ من الصلول . ( وثانيهما ) : من الصليل ، يقال : صل الحديد صليلا إذا حدث منه صوت ، وعلى هذا فهو الطين اليابس الذي يقع بعضه على بعض فيحدث فيما بينهما صوت ؛ إذ هو الطين اللازب ، وهو الحر الذي إذا التزق بالشيء ثم انفصل عنه دفعة واحدة ، سمع منه عند الانفصال صوت ، فإن قيل : الإنسان إذا خلق من الصلصال . فكيف ورد في القرآن أنه خلق من التراب ، وورد أيضا أنه خلق من الطين ، ومن حمأ ومن ماء مهين ، إلى غير ذلك ؛ فنقول أما قوله : مِنْ تُرابٍ [ آل عمران : الآية 59 ] . أي تارة ، وأما قوله : مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [ المرسلات : الآية 20 ] . فتارة أخرى ، فذلك باعتبار شخصين ؛ آدم خلق من صلصال ومن حمأ ، وأولاده خلقوا من ماء مهين ، ولولا خلق آدم لما خلق أولاده ، ويجوز أن يقال : زيد خلق من حمأ ، بمعنى أن