محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
11
كشف الأسرار النورانية القرآنية
قرونا عديدة ، ورأى من يشبه الرسوبات الفحمية ب « التورب » يعضد ببقايا النباتات الخفية الظهر الخلوية العديدة التي تكشف بالمنظار المعظم في الفحم الحجري وفي « التورب » ويعضد أيضا بالأشجار المنغرسة بجذورها في الأرض ، وبأوراقها المحفوظة في الشست الفحمي ، وبوجودها في أحواض مختلفة الاتساع منفصلة عن بعضها ، فهذه الأحوال كلها تدل على أماكن ذات مستنقعات متكونة في حفر أرض مكشوفة ، وبها يرفض القول بأن الأشجار حملتها مياه الأنهار أو مياه البحار . « المبحث الثالث » وفيه أمور : الأمر الأول : في مدة تكون الأرض : اعلم أن الأرض قد كانت مسطحة ولا جبال بها ، وكانت مغمورة بالمياه ، وهذه الأرض يوجد فيها بعض أنواع من النباتات ، وأشكال النباتات الخاصة بالمدة المذكورة كانت تخالف أشكال النباتات المنسوبة إلى زماننا هذا ، فكانت من فصيلة الأشنة وفصيلة الكبريت النباتي ، وهي نباتات بسيطة التركيب خفية الزهر ، لكنها كانت في ابتداء الخلقة أكبر حجما وأكثر عددا ، وهذه النباتات تكونت منها الأرض الفحمية ، وهذا الجوهر القابل للاحتراق متحصل من النباتات التي كانت في الزمن القديم قبل تكون الحيوانات ، فلما اندفنت تحت سمك عظيم من الأرض بسبب تكوّن الجبال ، بقيت إلى زماننا هذا بعد أن تنوّعت طبيعتها وهيئتها ، ولما فقدت بعض عناصرها ، استحالت إلى فحم مشرب بمواد قارية وقطرانية هي متحصل التحليل البطيء الذي حصل في الموادّ النباتية ، فعلم أن الفحم الحجري الذي يستعمل في المطابخ والتنانير والآلات البخارية ونحو ذلك ويستحضر منه غاز « الاستصباح » ليس إلا مادة النباتات التي تتكون منها الغابات ، وكانت تنبت في المستنقعات في قديم الزمن ، والوصف الرئيسي للمدّة الفحمية هو عظم نحو النباتات التي كانت تغطي الكرة الأرضية بتمامها ؛ لأن الجو كان ذا حرارة قوية ورطوبة كثيرة ، فالأجناس التي تنسب إليها نباتات المدة الفحمية لا تعيش الآن إلا في البلاد الحارة ، وهذه النباتات الحفرية نموها العظيم يدل على أن الجو كان متشعبا بالرطوبة ، وكانت درجة الحرارة واحدة في جميع العروض ، فكان نمو النباتات التي تكوّن منها الفحم الحجري واحد في جميع نقط الأرض ، وحيث علم بالمشاهدة أن الأنواع النباتية التي فنيت كانت درجة نموها واحدة وأنها كانت في دائرة الاستواء ، وفي الدائرة القطبية ، يستنتج أن درجة الحرارة كانت واحدة في جميع الجهات في الزمن المذكور الذي هو الثالث