ابن عجيبة

16

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الغرفة ، أو : المسجد ، سمى محرابا لتحارب الشيطان فيه والخواطر الرّدية . و « إذ » : متعلق بمحذوف ، أي : نبأ تحاكم الخصمين ، أو : بالخصم ؛ لما فيه من معنى الخصومة ، إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ : بدل مما قبله ، أو : ظرف لتسوروا ، فَفَزِعَ مِنْهُمْ : تروع منهم . روى أن اللّه تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين ، قيل : جبريل وميكائيل ، فطلبا أن يدخلا عليه ، فوجداه في عبادته ، فمنعهما الحرس ، فتسوّروا عليه المحراب ، فلم يشعر إلا وهما بين يديه ، جالسان ، ففزع منهم ؛ لأنهم دخلوا عليه في غير يوم القضاء ، ولأنهم نزلوا من فوق ، وفي يوم الاحتجاب ، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه . قال الحسن : جزأ داود عليه السّلام الدهر أربعة أجزاء ؛ يوما لنسائه ، ويوما للعبادة ، ويوما للقضاء ، ويوما للمذاكرة مع بني إسرائيل . فدخلوا عليه يوم عبادته . فلما فزع قالُوا لا تَخَفْ ، نحن خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ أي : ظلم وتطاول عليه ، فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ ؛ لا تجر ، من : الشطط ، وهو مجاوزة الحدّ وتخطى الحق ، وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ ؛ وأرشدنا إلى وسط الطريق ومحجته ، والمراد : عين الحق وصريحه . روى : أن أهل زمان داود عليه السّلام كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته ، فيتزوجها إذا أعجبته ، وكان لهم عادة في المواساة بذلك . وكان في أول الإسلام شئ من ذلك بين المهاجرين والأنصار ، فاتفق أنّ عين داود عليه السّلام وقعت عل امرأة أوريا ، وكانت جميلة ، فأحبّها ، فسأله النّزول له عنها ، فاستحيا أن يردّه ، ففعل ، فتزوجها ، وهي أم سليمان ؛ فعوتب في ذلك ، وقيل له : إنك مع عظيم منزلتك ، وكثرة نسائك ، لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة ، كان الواجب عليك مغالبة هواك ، وقهر نفسك ، والصبر على ما امتحنت به . وقيل : خطبها أوريا ، وخطبها داود ، فآثره أهلها ، فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه « 1 » . ه . ولعلم لم يكن محرما في شرعهم ، وإنما كان خلاف الأولى . وقال شيخ شيوخنا في حاشيته : لا يصح هذا في حق الأنبياء ، وما يحكى أنه بعث أوريا إلى الغزو مرة بعد مرة ، وأحب أن يقتل ليتزوجها ، فلا يليق من المتسمين بالصلاح من أبناء النّاس ، فضلا عن بعض أعلام الأنبياء . وقال علىّ - كرم اللّه وجهه - : من حدثكم بحديث داود عليه السّلام على ما يرويه القصّاص جلدته مائة وستين « 2 » ، وهو

--> ( 1 ) قال القاضي عياض في الشفاء ( 2 / 827 ) : لا تلتفت إلى ما سطره الأخباريون من أهل الكتاب ، الذين بدّلوا وغيّروا ، ونقله المفسرون ، ولم ينص اللّه تعالى على شئ من ذلك في كتابه ، ولا ورد في حديث صحيح ، والذي نصّ اللّه عليه في قصة داود : قوله : وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ وليس في قصة داود وأوريا خبر ثابت . وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره ( 4 / 31 ) : قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه . . . . فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة ، وأن يرد علمها إلى اللّه عز وجل ، فإن القرآن حق ، وما تضمن فهو حق أيضا . وانظر : الإسرائيليات والموضوعات لأبى شهبة ( 264 - 270 ) . ( 2 ) قال الحافظ ابن حجر ، في الكافي الشاف : ( رقم 306 ) : لم أجده .