ابن عجيبة
98
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا أي : كذلك فرقناه ورتلناه ترتيلا بديعا عجيبا ، أي : قدرناه آية بعد آية ، ووقفة عقب وقفة ، وأمرنا بترتيل قراءته ، بقولنا : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا « 1 » أو : فصلناه تفصيلا ، أو : بيّناه تبيينا فيه ترتيل وتثبت . وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ ؛ بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة ، واقتراحاتهم الفاسدة الخارجة عن دائرة العقول ، الجارية لذلك مجرى الأمثال ، إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ ؛ إلا أتيناك بالجواب الحق الذي لا محيد عنه ، الذي ينحى عليه بالإبطال ويحسم مادة القيل والقال ، كما مر من الأجوبة الحقية ، القالعة لعروق أسئلتهم الشنيعة ، الدامغة لها بالكلية . وجئناك بأحسن تَفْسِيراً أي : بيانا وتفصيلا ، بمعنى أنه في غاية ما يكون من الحسن في حد ذاته ، لا أن ما يأتون به حسن ، وهذا أحسن منه ، وإنما المعنى : لا يسألونك عن شئ غريب إلا جئناك بما يبطله وما يكشف معناه ، ويفسره غاية التفسير . ثم ذكر مآل الكفرة المقترحين لهذه الشّبه ، فقال : الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أي : يحشرون كائنين على وجوههم ، يسحبون عليها ، ويجرون إلى جهنم . وقيل : مقلوبين ؛ وجوههم إلى قفاهم ، وأرجلهم فوق ، أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً أي : مكانة ومنزلة ، أو : مسكنا ومنزلا ، وَأَضَلُّ سَبِيلًا ؛ وأخطأ طريقا . ونزلت الآية لمّا قالوا : إن أصحاب محمد شر خلق اللّه وأضل الناس طريقا . وقيل : المعنى : إن حاملكم على هذه السؤالات اعتقادكم أن محمدا ضال ، ومكانه حقير ، ولو نظرتم إلى ما يؤول إليه أمركم ، لعلمتم أنكم شر منه مكانا ، وأضل سبيلا . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : تثبيت القلوب على الإيمان ، وتربية اليقين ، يكون بصحبة الأبرار ورؤية العارفين الكبار ، والترقي في معاريج التوحيد ، إلى أن يفضى إلى مقام العيان ، يكون بعقد الصحبة مع أهل التربية ، وخدمتهم وتعظيمهم ، حتى يوصلوه إلى ربه . ومن شأنهم أن اللّه يدافع عنهم ، ويجيب من سألهم تشغيبا ، فيلهمهم الجواب ، فضلا منه ، فلا يسألون عن شئ إلا جاءهم بالحق وأحسن تفسيرا ، ثم هدد من صغّرهم وحقّر شأنهم بقوله : الَّذِينَ يُحْشَرُونَ . . . الآية . واللّه تعالى أعلم . ثم ردّ على من طلب إنزال القرآن جملة ، بكون كتاب التوراة نزل جملة ، ومع ذلك كفروا به ، فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 35 إلى 36 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً ( 35 ) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً ( 36 )
--> ( 1 ) من الآية 4 من سورة المزمل .