ابن عجيبة
96
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فعلّق مصحفا لم يتعاهده ، ولم ينظر فيه ، جاء يوم القيامة متعلّقا به ، يقول : يا ربّ العالمين عبدك هذا اتّخذنى مهجورا ، اقض بيني وبينه » « 1 » . وقيل : هو من هجر ؛ إذا هذى ، أي : قالوا فيه أقاويل باطلة ، كالسحر ، ونحوه ، أو : بأن هجروا فيه إذا سمعوه ، كقولهم : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ « 2 » ؛ أي : مهجورا فيه . وفيه من التحذير والتخويف ما لا يخفى ، فإن الأنبياء - عليهم السلام - إذا شكو إلى اللّه تعالى قومهم عجّل لهم العذاب ، ولم ينظروا . ثم أقبل عليه ؛ مسليا ، وواعدا لنصره عليهم ، فقال : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ؛ فتسلّ بهم ، واقتد بمن قبلك من الأنبياء ، فمن هنا ساروا . أي : كما جعلنا لك أعداء من المشركين ، يقولون ما يقولون ، ويفعلون ما يفعلون من الأباطيل ، جعلنا لكل نبي من الأنبياء ، الذين هم أصحاب الشرائع والدعوة إليها ، عدوا من مجرمى قومهم ، فاصبر كما صبروا ؛ فإن اللّه ناصرك كما نصرهم . وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً ، وهو وعد كريم بالهداية له إلى مطالبه ، والنصر على أعدائه ، أي : كفاك مالك أمرك ومبلغك إلى غاية الكمال ، هاديا إلى ما يوصلك إلى غاية الغايات ، التي من جملتها : تبليغ الكتاب ، وإجراء أحكامه إلى يوم القيامة . أو : وكفى بربك هاديا لك إلى طريق قهرهم والانتصار منهم ، وناصرا لك عليهم . والعدو : يجوز أن يكون واحدا وجمعا ، والباء : زائدة ، و هادِياً وَنَصِيراً : تمييزان . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : من السنة التي أجراها اللّه تعالى في خواصه : أن يكون جيرانهم وأقاربهم أزهد الناس فيهم ، وأقواهم عليهم ، وأعدى الناس إليهم . وفي الأثر : « أزهد النّاس في العالم جيرانه » . فلا ينتفع بالولي ، في الغالب ، إلا أبعد الناس منه ، وقلّ أن تجد وليا عمّر سوقه في بلده ، فالهجرة سنة ماضية ، ولن تجد لسنة اللّه تبديلا . وكما جعل لكل نبي عدوا جعل لكل ولى عدوا ، فلابد للولي أن يبقى له من يحركه إلى ربه بالإذاية والتحريش ، إما من جيرانه ، أو من نسائه وأولاده ؛ ليكون سيره بين جلاله وجماله ، وكفى بربك هاديا ونصيرا . ثم ذكر اقتراحهم الخاص بالقرآن ، بعد ذكر اقتراحهم الخاص به - عليه الصلاة والسلام - فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 32 إلى 34 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً ( 32 ) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 ) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً ( 34 )
--> ( 1 ) عزاة المناوي في الفتح السماوي ( 2 / 881 ) للثعلبي ، من طريق أبى هدبة إبراهيم بن هدبة ، عن أنس ، قال المناوي : وأبو هدبة كذاب . ( 2 ) من الآية 26 من سورة فصلت .