ابن عجيبة
94
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقال آخر : اصحب خيار الناس حيث لقيتهم * خير الصّحابة من يكون عفيفا والنّاس مثل دراهم ميّزتها * فوجدت فيها فضّة وزيوفا وفي حديث أبي موسى رضي اللّه عنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « مثل الجليس الصّالح مثل العطّار ، إن لم يحذك من عطره يعلق بك من ريحه . ومثل الجليس السّوء مثل الكير ، إن لم يحرق ثيابك يعلق بك من ريحه » « 1 » . وقال في الحكم : « لا تصحب من لا ينهضك حاله ، ولا يدلّك على اللّه مقاله » . فإنهاض الحال هو ذكر اللّه عند رؤيته ، والانحياش إليه بالقلب عند صحبته . ودلالة المقال على اللّه هو زجه في الحضرة بلا تعب ، بأن يرفع بينه وبين ربه الحجب ، ويقول له : ها أنت وربك . وهذه حال الصوفية العارفين بالله ، وقد وصفهم بعض العلماء ، فقال : الصوفي من لا يعرف في الدارين أحدا غير اللّه ، ولا يشهد مع اللّه سوى اللّه ، قد سخر له كل شئ ، ولم يسخر هو لشئ ، يسلط على كل شئ ، ولم يسلط عليه شئ ، يأخذ النصيب من كل شيىء ، ولم يأخذ النصيب منه شئ ، يصفو به كدر كلّ شئ ، ولا يكدر صفوه شئ ، قد أشغله واحد عن كل شئ ، وكفاه واحد من كل شئ . ه . قال في التنبيه : وبصحبة أمثال هؤلاء يحصل للمريد من المزيد ما لا يحصل له بغيرها ؛ من فنون المجاهدات ، وأنواع المكابدات ، حتى يبلغ بذلك إلى أمر لا يسعه عقل عاقل ، ولا يحيط به عالم ناقل . ه . وفي شأنهم أيضا قال صاحب العينية رضي اللّه عنه : فشمّر ولذ بالأولياء ؛ فإنهم * لهم من كتاب الحقّ تلك الوقائع هم الذّخر للملهوف ، والكنز للرّجا ، * ومنهم ينال الصّبّ ما هو طامع بهم يهتدى للعين من ضلّ في العمى * بهم يجذب العشّاق ، والرّبع شاسع هم القصد ، والمطلوب ، والسؤل ، والمنى * واسمهم للصّبّ ، في الحبّ شافع هم النّاس ، فالزم إن عرفت جنابهم * ففيهم لضرّ العالمين منافع وقال الجنيد رضي اللّه عنه : إذا أراد اللّه بالمريد خيرا ألقاه إلى الصوفية ، ومنعه صحبة القراء . وقال سهل رضي اللّه عنه : احذر صحبة ثلاثة من أصناف الناس : الجبابرة الغافلين ، والقراء المداهنين ، والمتصوفة الجاهلين . ه . وقال حمدون
--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 4 / 404 ) ، وأخرجه ، بلفظ مقارب ، البخاري في ( الذبائح ، باب المسك ، ح 5534 ) ، ومسلم في ( البر والصلة ، باب استحباب مجالسة الصالحين ، 4 / 2026 ، ح 2628 ) .