ابن عجيبة

92

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا عجيبا غير معهود . روى أن السماوات تنشق سماء سماء ، وتنزل ملائكة كل سماء في ذلك الغمام ، وفي أيديها صحائف أعمال العباد ، فيفصل اللّه بين خلقه ، ولذلك قال : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ أي : السلطنة القاهرة ، والاستيلاء العام ، الثابت ؛ الذي لا زوال له أصلا ، هو للرحمن وحده ؛ لأن كل ملك يزول يومئذ ، ولا يبقى إلا ملكه . وفائدة التقييد ، مع أن الملك لله في الدنيا والآخرة ؛ لأن في الدنيا قد تظهر صورة الملك للمخلوق ؛ مجازا ، ويكون له تصرف صوري ، بخلاف يوم القيامة ، ينقطع فيه الدعاوى ، ويظهر الملك لله الواحد القهار ، وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً أي : وكان ذلك اليوم ، مع كون الملك للمبالغ في الرحمة ، عَسِيراً أي : صعبا ، شديدا على النفوس بالنسبة للكافرين ، وأما على المؤمنين فيكون يسيرا ، بفضل اللّه تعالى . وقد جاء في الحديث : أنه يهون يوم القيامة على المؤمنين ، حتى يكون أخف عليهم من صلاة مكتوبة ، صلّوها في الدنيا . ففي حديث أبي سعيد الخدري حيث قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، قلت : يا رسول اللّه ، ما أطول هذا اليوم ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده إنّه ليخفّف على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا » « 1 » . وَ اذكر أيضا يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ؛ ندما وتحسرا ، فعض اليد والأنامل : كناية عن شدة الغيظ والحسرة ؛ لأنها من روادفها ، فتذكر المرادفة ويراد بها المردوف ، فيرتفع الكلام بذلك في طبقة الفصاحة ، ويجد السامع في نفسه من الروعة ما لا يجده عند اللفظ المكنى عنه . والمراد بالظالم : إما عقبة بن أبي معيط ، وكان خليلا لأبىّ بن خلف ، وكان عقبة يكثر مجالسة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقدم من سفر وصنع طعاما ، فدعا إليه أشراف قومه ، ودعا النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فلما قرّب الطعام ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما أنا بآكل من طعام ، حتى تشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأنى رسول اللّه » . فقال عقبة : أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه . فأكل النبي صلى اللّه عليه وسلم طعامه ، وكان أبىّ بن خلف غائبا ، فلما أخبر ، قال له : صبأت يا عقبة ؟ فقال : لا ، واللّه ما صبأت ، ولكن دخل علىّ رجل فأبى أن يأكل من طعامي إلا أن أشهد له ، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم ، فشهدت له ، فطعم ، فقال : ما أنا بالذي أرضى عنك أبدا ، حتى تأتيه فتبزق في وجهه ، وتطأ عنقه ، فوجده صلى اللّه عليه وسلم ساجدا ، ففعل ذلك ، وأخذ رحم دابته فألقاها بين كتفيه ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا ألقاك خارجا من مكّة إلا علوت

--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 3 / 75 ) ، وابن حبان ( الإحسان ، تحقيق الأرنؤوط 16 / 329 ح 7334 ) ، وأبو يعلى ( 2 / 527 ح 1390 ) ، وحسّنه الهيثمي في المجمع ( 10 / 339 ) .