ابن عجيبة
90
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر ضدهم ، فقال : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا أي : مكانا يستقرون فيه ، والمستقر : المكان الذي يستقر فيه في أكثر الأوقات ، للتجالس والتحادث ، وَأَحْسَنُ مَقِيلًا : مكانا يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم . ولا نوم في الجنة ، ولكنه سمى مكان استرواحهم إلى أزواجهم الحور مقيلا ؛ على طريق التشبيه . وروى أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم ، فيقيل أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار . وقال سعيد الصواف : بلغني أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين ، حتى يكون ما بين العصر إلى غروب الشمس ، إنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من حساب الناس . وقرأ هذه الآية . ه . وأما الكافر فيطول عليه ، كما قال تعالى : فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ « 1 » . قال أبو السعود : وفي وصفه بزيادة الحسن ، مع حصول الخيرية ، رمز إلى أنه مزين بفنون الزين والزخارف . والتفضيل المعتبر فيهما : إما لإرادة الزيادة على الإطلاق ، أي : هم في أقصى ما يكون من خيرية المستقر وحسن المقيل ، وإما بالإضافة إلى ما للكفرة المتنعمين في الدنيا ، أو إلى ما لهم في الآخرة ، بطريق التهكم بهم ، كما مرّ في قوله : أَ ذلِكَ خَيْرٌ . . الآية . ه . الإشارة : هؤلاء طلبوا الرؤية قبل إبّانها وتحصيل شروطها ، وهي الإيمان بالله ، والإخلاص ، والخضوع لمن يدل على اللّه ، وذل النفس وتصغيرها في طلب اللّه . ولذلك قال تعالى في وصفهم - الذي منعهم من شهوده تعالى : لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً أي : ولو صغروا في أنفسهم ، وخضعوا خضوعا كبيرا ؛ لحصل لهم ما طلبوا ، ولبشروا بما أملوا ، وفي ذلك يقول الشاعر : تذلّل لمن تهوى ؛ فليس الهوى سهل * إذا رضى المحبوب صحّ لك الوصل تذلّل له ؛ تحظى برؤيا جماله * ففي وجه من تهوى الفرائض والنّفل وقيل لأبى يزيد رضي اللّه عنه ، حين قام يصلى بالليل : يا أبا يزيد ، خزائننا معمورة بالخدمة ، ائتنا من كوّة الذل والافتقار . وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي اللّه عنه : أتيت الأبواب كلها فوجدت عليها الزحام ، فأتيت باب الذل والفقر فوجدته خاليا ، فدخلت وقلت : هلموا إلى ربكم . أو كما قال . وفي قوله تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ . . إلخ ، الترغيب في الإخلاص الموجب لقبول الأعمال ، والترهيب من الرياء والعجب ، الموجبان لإحباط الأعمال . وفي حديث معاذ عنه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق سبعة أملاك قبل خلق السماوات ، ووكل كل ملك بباب من أبواب السماء ، فتصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء الأولى ، فيقول الملك : ردوه ، واضربوا به وجهه ؛ إنّ صاحبه كان يغتاب الناس ، ثم تصعد الحفظة بعمل العبد إلى
--> ( 1 ) من الآية 4 من سورة المعارج .