ابن عجيبة
88
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ومن آداب الداخل في السوق : أن يكون ماشيا على رجليه ، لا راكبا ، كما وصف اللّه تعالى الرسل - عليهم السلام . وفي قوله تعالى : وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ : تسلية لمن يبتلى من الأولياء ، وتهوين له على ما يلقاه من شدائد الزمان ، وإذاية الإخوان ، وجفوة الناس . وبالله التوفيق . ثم ذكر مقالة أخرى من أقاويل الكفرة ؛ ليبطلها كما أبطل ما قبلها ، فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 21 إلى 24 ] وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً ( 21 ) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ( 22 ) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ( 24 ) قلت : ( وقال ) : عطف على : ( وقالوا مال هذا الرسول . . . ) إلخ ، ووضع الموصول موضع الضمير ؛ للتنبيه بما في حيز الصلة على أن ما حكى عنهم من الشناعة بحيث لا يصدر ممن يعتقد المصير إلى اللّه - عز وجل - . يقول الحق جل جلاله : وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا أي : لا يتوقعون الرجوع إلينا بالبعث ، أو حسابنا المؤدى إلى سوء العذاب ، الذي تستوجبه مقالاتهم الشنيعة . والحاصل : أنهم ينكرون البعث بالكلية ، فأطلق الرجاء على التوقع . وقيل : لا يخافون لقاءنا ؛ لأن الرجاء في لغة تهامة : الخوف ، قالوا : لَوْ لا ؛ هلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ رسلا دون البشر ، أو : يشهدون بنبوة محمد ودعوى رسالته ، أَوْ نَرى رَبَّنا جهرة ، فيخبرنا برسالته ، ويأمرنا باتباعه ، وإنما قالوا ذلك ؛ عنادا وعتوا . قال تعالى : لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أي : أضمروا الاستكبار ، وهو الكفر والعناد في قلوبهم ، أو : عظموا في أنفسهم حتى اجترءوا على التفوه بمثل هذه العظيمة الشنعاء ، وَعَتَوْا أي : تجاوزوا الحد في الظلم والطغيان عُتُوًّا كَبِيراً ؛ بالغا أقصى غاياته ، أي : إنهم لم يجترءوا على هذا القول العظيم ؛ إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار ، وأقصى العتو ، حتى أمّلوا نيل المشاهدة والمعاينة والمفاوضة التي اختص بها أكابر الرسل وخاصة الأولياء ، بعد تطهير النفوس وتصفية القلوب والأرواح . وهذا كقولهم : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ . . . إلى قوله : أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا « 1 » . ولم يكتفوا بما رأوا من المعجزات القاهرة ؛ فذهبوا في الاقتراح كل مذهب ، حتى منّتهم أنفسهم الخبيثة أمالي سدت دونها مطامع النفوس القدسية . واللام : جواب قسم محذوف ، أي : واللّه لقد استكبروا . . الآية . وفيه من الدلالة على قبح ما هم عليه ، والإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم ، ما لا يخفى .
--> ( 1 ) الآيات : 90 - 92 من سورة الإسراء .