ابن عجيبة

85

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فما يستطيعون « 1 » ؛ فما يملكون صَرْفاً ؛ دفعا للعذاب عنكم وَلا نَصْراً أي : فردا من أفراد النصر . والمعنى : فما تستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو ينصروكم . وعن حفص بالتاء ، أي : فما تستطيعون أنتم أيها الكفرة صرفا للعذاب عنكم ، ولا نصر أنفسكم . ثم خاطب المكلّفين على العموم فقال : وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ ؛ يشرك ؛ بدليل قوله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ « 2 » ؛ لأن الظلم : وضع الشيء في غير محله ، ومن جعل المخلوق شريكا لخالقه فقد ظلم ظلما عظيما . أي : ومن يظلم منكم أيها المكلفون ، كدأب هؤلاء الكفرة ، حيث ركبوا متن المكابرة والعناد ، واستمروا على الملاججة والفساد ، نُذِقْهُ في الآخرة عَذاباً كَبِيراً لا يقادر قدره ، وهو الخلود في النار ، والعياذ بالله . الإشارة : كل من عشق شيئا وأحبه من دون اللّه فهو عابد له ، فردا أو متعددا ، فيحشر معه يوم القيامة ، فيقال لهم : أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ، أم هم ضلوا السبيل ؟ فيتبرؤون منهم ، ويقولون : بل متعتهم بالدنيا ، وألهيتهم عن الذكر والتفكر والاعتبار ، أو عن الشهود والاستبصار ، حتى نسوا ذكر اللّه ، وكانوا قوما بورا . وقد ورد : ( أن الدنيا تبعث يوم القيامة على هيئة عجوز شمطاء زرقاء ، فتنادى : أين أولادي ؟ فيجمعون لها كرها ، فتقدمهم ، فتوردهم النار ) . وقوله تعالى : وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ أي : يخرج عن حد الاستقامة في العبودية ، وشهود عظمة الربوبية ، نذقه عذابا كبيرا ، وهو ضرب الحجاب على سبيل الدوام ، إلا وقتا مخصوصا مع العوام . وبالله التوفيق . ثم أجاب الحق تعالى عن قول الكفرة : ( مال هذا الرسول يأكل الطعام . . . ) إلخ ، فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 20 ] وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً ( 20 ) قلت : كسرت ( إنّ ) ؛ لأجل اللام في الخبر . والجملة بعد ( إلا ) : صفة لمحذوف ، أي : وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين ، وإنما حذف ؛ اكتفاء بالجار والمجرور ، يعنى من المرسلين ، وهو كقوله تعالى : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ « 3 » ، أي : وما منا أحد . وقيل : هي حال ، والتقدير : إلا وأنهم ليأكلون . يقول الحق جل جلاله ، في جواب المشركين عن قولهم : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ « 4 » ؛ تسلية لنبيه صلى اللّه عليه وسلّم : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا وصفتهم إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ؛ بشر

--> ( 1 ) قرأ حفص ( فما تستطيعون ) بالتاء من فوق ، على خطاب العابدين . وقرأ الباقون بالياء على الغيب ، على إسناده إلى المعبودين . انظر الإتحاف ( 2 / 307 ) . ( 2 ) من الآية 13 من سورة لقمان . ( 3 ) من الآية 164 من سورة الصافات . ( 4 ) من الآية 7 من سورة الفرقان .