ابن عجيبة

82

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ودعاء واحدا ، بل ادعوا دعاء متعددا بأدعية كثيرة ، فإن ما أنتم عليه من العذاب ، لغاية شدته وطول مدته ، مستوجب لتكرر الدعاء في كل أوان . وهو يدل على فظاعة العذاب وهو له . وأما ما قيل من أن المعنى : إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا ، وإنما هو ثبور كثير ، إما لأن العذاب أنواع وألوان ، كل نوع منها ثبور ؛ لشدته وفظاعته ، أو : لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها ، فلا غاية لها ، فلا يلائم المقام . انظر أبا السعود . وعن أنس رضي اللّه عنه قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أول من يكسى حلّة من النار إبليس ، فيضعها على حاجبيه ، ويسحبها من خلفه ، وذريته من بعده ، وهو يقول : يا ثبوراه ، وهم يجاوبونه : يا ثبورهم ، حتى يقفوا على النار ، فيقال لهم : لا تدعوا ثبورا واحدا . . » « 1 » . قُلْ لهم يا محمد ؛ تقريعا لهم وتهكما بهم ، وتحسرا على ما فاتهم : أَ ذلِكَ خَيْرٌ ، والإشارة إلى السعير ، باعتبار اتصافها بما فصّل من الأحوال الهائلة ، وما فيه من معنى البعد ؛ لكونها في الغاية القاصية من الهول والفظاعة . أي : قل لهم أذلك الذي ذكر من السعير ، التي أعدت لمن كذب بالساعة ، وشأنها كيت وكيت ؛ خير أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ أي : وعدها اللّه المتقين ؟ وإنما قال : « أذلك خير » ، ولا خير في النار ؛ تهكما بهم ، كما تقدم ، وإضافة الجنة إلى الخلد ؛ للمدح ، وقيل : للتمييز عن جنات الدنيا . والمراد بالمتقين : المتصفون بمطلق التقوى ، لا بغايتها . كانَتْ تلك الجنة لَهُمْ في علم اللّه تعالى ، أو في اللوح ، جَزاءً على أعمالهم ، وَمَصِيراً يصيرون إليه بعد الموت . لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ من فنون الملاذ والمشتهيات ، وأنواع النعيم والخيرات ، كقوله تعالى : وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ « 2 » ، ولعل كل فريق منهم يقنع بما أتيح له من درجات النعيم ، ولا تمتد أعناق همهم إلى ما فوق ذلك من المراتب العالية . فلا يلزم الحرمان ، ولا تساوى أهل الجنان . حال كونهم خالِدِينَ لا يفنون ، ولا يفنى ما هم فيه ، كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا أي : موعودا حقيقا بأن يسأل ويطلب ؛ لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون ، أو : مسؤولا لا يسأله الناس في دعائهم ، بقولهم : رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ « 3 » أو : تسأله الملائكة بقولهم : رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ « 4 » ، وما في « على » من معنى الوجوب ، لامتناع الخلف في وعده تعالى ، فكأنه أوجبه على نفسه ؛ تفضلا وإحسانا . وفي التعرض لعنوان الربوبية ؛ مع الإضافة إلى ضميره صلى اللّه عليه وسلم ؛ من تشريفه والإشعار بأنه صلى اللّه عليه وسلم هو أول الفائزين بمغانم هذا الوعد الكريم ما لا يخفى . قاله أبو السعود .

--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 3 / 152 ) ، والطبري ( 18 / 188 ) ، والحديث صححه الهيثمي في المجمع ( 10 / 392 ) . ( 2 ) من الآية 71 من سورة الزخرف . ( 3 ) من الآية 194 من سورة آل عمران . ( 4 ) من الآية 8 من سورة غافر .