ابن عجيبة
79
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قُلْ يا محمد : أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي : يعلم كل سر خفى في السماوات والأرض ، يعنى : أن القرآن : لما اشتمل على علم الغيوب ، التي يستحيل عادة أن يعلمها محمد صلى اللّه عليه وسلم من غير تعلم إلهي ، دلّ على أنه من عند علام الغيوب ، أي : ليس ذلك مما يفترى ويختلق ، بإعانة قوم ، وكتابة آخرين ؛ من الأحاديث والأساطير المتقدمة ، بل هو أمر سماوي ، أنزله الذي لا يعزب عن علمه شئ ، أودع فيه فنون الحكم والأحكام ، على وجه بديع ، لا تحوم حوله الأفهام ، حيث أعجزكم قاطبة بفصاحته وبلاغته ، وأخبركم بأمور مغيبات ، وأسرار مكنونات ، لا يهتدى إليها ولا يوقف عليها إلا بتوقيف العليم الخبير ، ثم جعلتموه إفكا مفترى ، واستوجبتم بذلك أن يصبّ عليكم العذاب صبا ، لولا حلمه ورحمته ، إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ؛ فأمهلكم ، ولم يعاجلكم بالعقوبة . وهو تعليل لما هو المشاهد من تأخير العقوبة عنهم ، أي : كان أزلا وأبدا مستمرا على المغفرة والرحمة ، فلذلك لم يعاجلكم بالعقوبة على ما تقولون في حقه وفي حق رسوله ، مع كمال اقتداره . ثم ذكر طعنهم فيمن نزل عليه ، فقال : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ وقعت اللام في المصحف مفصولة عن الهاء ، وخط المصحف سنّة لا يغير . وتسميتهم إياه بالرسول سخرية منهم ، كأنهم قالوا : أي شئ لهذا الزاعم أنه رسول ؛ يأكل الطعام كما تأكلون ، ويمشى في الأسواق لابتغاء الأرزاق كما تمشون ، أي : إن صح ما يدعيه فما له لم يخالف حالنا ؟ ! لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ على صورته فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ، وهذا منهم تنزل عن اقتراح كونه صلى اللّه عليه وسلم ملكا مستغنيا عن المادة الحسية ، إلى اقتراح أن يكون معه ملك يصدقه ، ويكون ردءا له في الإنذار ، ويعبر عنه ، ويفسر ما يقوله للعامة . أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ من السماء ، يستغنى به عن طلب المعاش معنا ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ ؛ بستان يَأْكُلُ مِنْها كالأغنياء المياسير . والحاصل : أنهم أول مرة ادعوا أن الرسول لا يكون إلا كالملائكة ، مستغنيا عن الطعام والشراب ، وتعجبوا من كون الرسول بشرا ، ثم تنزلوا إلى اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك يصدقه ويعينه على الإنذار ، ثم تنزلوا إلى اقتراح أن يكون معه كنز ، يستظهر به على نوائبه ، ثم تنزلوا إلى اقتراح أن يكون رجلا له يستان يأكل منه ، كالمياسير ، أو نأكل نحن منه ، على قراءة حمزة والكسائي . قال تعالى : وَقالَ الظَّالِمُونَ وهم الكفرة القائلون ما تقدم ، غير أنه وضع الظاهر موضع المضمر ، تسجيلا عليهم بالظلم وتجاوز الحد فيه . وهم كفار قريش ، أي : قالوا للمؤمنين : إِنْ تَتَّبِعُونَ ؛ ما تتبعون إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ؛ قد سحر فغلب على عقله ، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أي : انظر كيف قالوا في حقك تلك الأقاويل العجيبة ، الخارجة عن العقول ، الجارية ؛ لغرابتها ، مجرى الأمثال ، واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال الشاذة ، البعيدة عن الوقوع ؟ ! فَضَلُّوا عن طريق الجادة فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ؛ فلا يجدون طريقا إليه ، أو : فلا يجدون سبيلا إلى القدح في نبوتك ، بأن يجدوا قولا يستقرون عليه ، أو : فضلّوا عن الحق ضلالا مبينا ، فلا