ابن عجيبة
77
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَاتَّخَذُوا أي : الكفار المدرجون تحت العالمين المنذرين ، اتخذوا لأنفسهم مِنْ دُونِهِ تعالى آلِهَةً ؛ أصناما ، يعبدونها ويستعينون بها ، وهم لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً أي : لا يقدرون على خلق شئ من الأشياء ، وَهُمْ يُخْلَقُونَ كسائر المخلوقات . والمعنى : أنهم آثروا على عبادة من هو منفرد بالألوهية والخلق ، والملك والتقدير ، عبادا عجزة ، لا يقدرون على خلق شئ ، وهم مخلوقون ومصورون . وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً أي : لا يستطيعون لأنفسهم دفع ضر عنها ، ولا جلب نفع لها . وهذا بيان لغاية عجزهم وضعفهم ؛ فإن بعض المخلوقين ربما يملك دفع ضر وجلب نفع في الجملة ، وهؤلاء لا يقدرون على شئ البتة ، فكيف يملكون نفع من عبدهم ، أو ضرر من لم يعبدهم ؟ ! وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً أي : إماتة وَلا حَياةً أي : إحياء وَلا نُشُوراً ؛ بعثا بعد الموت ، أي : لا يقدرون على إماتة حي ، ولا نفخ الروح في ميت ، ولا بعث للحساب والعقاب . والإله يجب أن يكون قادرا على جميع ذلك . وفيه إيذان بغاية جهلهم ، وسخافة عقولهم ، كأنهم غير عارفين بانتفاء ما نفى عن آلهتهم مما ذكر ، مفتقرون إلى التصريح لهم بها . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : كل من ركن إلى غير اللّه ، أو مال بمحبته إلى شئ سواه ، فقد اتخذ من دونه إلها يعبده من دون اللّه . وكل من رفع حاجته إلى غير مولاه ، فقد خاب مطلبه ومسعاه ؛ لأنه تعلق بعاجز ضعيف ، لا يقدر على نفع نفسه ، فكيف ينفع غيره ؟ وفي الحكم : « لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك ، فكيف ترفع إلى غيره ما كان هو له واضعا ؟ ! من لا يستطيع أن يرفع حاجته عن نفسه ، فكيف يكون لها عن غيره رافعا ؟ » . قال بعض الحكماء : من اعتمد على غير اللّه فهو في غرور ؛ لأن الغرور ما لا يدوم ، ولا يدوم شئ سواه ، وهو الدائم القديم ، لم يزل ولا يزال ، وعطاؤه وفضله دائمان ، فلا تعتمد إلا على من يدوم عليك منه الفضل والعطاء ، في كل نفس وحين وأوان وزمان . ه . وقال وهب بن منبه : أوحى اللّه تعالى إلى داود : يا داود ؛ أما وعزتي وجلالي وعظمتي لا ينتصر بي عبد من عبادي دون خلقي ، أعلم ذلك من نيته ، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن ، والأرضون السبع ومن فيهن ، إلا جعلت له منهن فرجا ومخرجا . أما وعزتي وجلالي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دونى ، أعلم ذلك من نيته ، إلا قطعت أسباب السماوات من يده ، وأسخت الأرض من تحته ، ولا أبالي في أي واد هلك . ه . وبالله التوفيق . ولما ذكر شأن الفرقان ، ذكر من طعن فيه وفيمن نزل عليه ، فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 4 إلى 9 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً ( 4 ) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( 5 ) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 6 ) وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ( 7 ) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً ( 8 ) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ( 9 )