ابن عجيبة

69

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : ليس على من عميت بصيرته ، فلم ير إلا الكون حرج في أن يقف مع رخص الشريعة ، ويتناول كل ما تشتهيه نفسه ، مما أباحته الشريعة ، من غير تورع ولا توقف ولا تبصر . وكذلك المريض القلب بالخواطر والأوهام ، ومن عرجت فكرته عن شهود الملكوت ، فلا بأس لهؤلاء الضعفاء أن يقفوا مع العوائد والأسباب ، ويتناولوا كل ما أباحته ظواهر الشريعة ، وأما الأقوياء فلا يأخذون إلا ما تحققوا حلّيّته ، وفهموا عن اللّه في أخذه وتركه ، لفتح بصيرتهم وشدة تبصّرهم . وقال الورتجبي في قوله : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ : عماه الحقيقي ألا يطيق أن ينظر بطون الأزل والغيب وغيب الغيب . وهذا من قوله - عليه الصلاة والسلام - في وصف جمال الحق سبحانه : « حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » . فجعله معذورا ألا يدرك في الحقيقة وحقيقة الحق ؛ إذ يستحيل الحدث أن يحيط بالقدم أن كان واجبا معرفة الكل من حيث الحقوق لا من حيث التوحيد . ه . ومراده ببطون الأزل : تجلياته تعالى ، البارزة من وسط بحر جبروته الغيبي ، وهي المراد بالغيب وغيب الغيب ، فالأكوان كلها برزت من بحر الذات الأزلية والكنز الغيبي ، لكنها ، لما تجلت ، كستها رداء الكبرياء ، فمن فتحت بصيرته رأى الحق تعالى فيها ، أو قبلها ، أو معها ، ومن عميت بصيرته لم ير إلا حس الأكوان الظّلمانيّة . واللّه تعالى أعلم . ومذهب الصوفية في تناول متاع بعضهم بعضا هو ما قال القائل : « نحن : لا مال مقسوم ، ولا سرّ مكتوم ، فتركتهم لا تقسم أبدا » . دخل الجنيد بيت بعض إخوانه ، فوجد زوجته ، فقال : هل عندك شئ نطعم به الفقراء ؟ فأشارت إلى وعاء فيه تمر ، لا يملك غيره ، فأفرغه على رأسه ، فأكلوا ، وأخذوا ما بقي ، فلما جاء زوجها ذكرت له ذلك ، فقال : الآن علمت أنه يحبني . ثم أمر بالسلام بعد الاستئذان ، فقال : فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يقول الحق جل جلاله : فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً من البيوت المذكورة أو غيرها بعد الإذن ، فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ أي : فابدأوا بالسلام على أهلها ، الذين هم منكم ، الذين هم بمنزلة أنفسكم ؛ لما بينكم وبينهم من القرابة