ابن عجيبة

628

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

نزول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الفتح بمكة . وقيل : نزول العذاب بهم يوم القيامة . شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة . والصباح : مستعار من : صباح الجيش المبيت ، استعير لوقت نزول العذاب . ولمّا كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا ، وإن وقعت في غيره . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ، وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ، كرر ليكون تسلية بعد تسلية ، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد ، وفيه فائدة ، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول ، بعد التقييد له ، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة . وقيل : أريد بأحدهما : عذاب الدنيا ، وبالآخرة : عذاب الآخرة . سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ ، أضيف الربّ إلى العزة لاختصاصه بها ، أو : يريد : أن ما من عزّة لأحد إلا وهو ربها ومالكها ، لقوله : وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ « 1 » أي : تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك . وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، عمم الرسل بالسلام بعد ما خصص البعض في السورة ؛ لأن في تخصيص كلّ بالذكر تطويلا . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على هلاك الأعداء ، ونصرة الأنبياء . قيل : في ختم السورة بالتسبيح بعد ما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذبيهم ، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع ، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم ؛ لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة ، وكلمات فيها رضى اللّه وسخطه ، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلسه أن يتلو هذه الآية ؛ لتكون مكفرة لتلك السقطات ، ويحمد لما وفق من الطيبات ، ومن ثمّ قال صلى اللّه عليه وسلم : « كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات ؛ إلا كفّر بهن عنه ، ولا يقولهن في مجلس خير ، ومجلس ذكر ، إلا ختم اللّه بهن ، كما يختم بخاتم على الصحيفة ؛ سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد ألا إله إلا أنت ، استغفرك وأتوب إليك » « 2 » . والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه . وعن علىّ - كرم اللّه وجهه : من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة ، فليكن آخر كلامه : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ « 3 » . . إلخ .

--> ( 1 ) من الآية 26 من سورة آل عمران . ( 2 ) أخرجه ، بلفظه ، أبو داود في ( الأدب ، باب في كفارة المجلس 5 / 181 ، ح 4857 ) وابن حبان في صحيحه ( 592 ) عن عبد اللّه ابن عمرو بن العاص ، موقوفا . وأخرجه أبو داود في الموضع نفسه ( ح 4858 ) عن أبي هريرة مرفوعا . ولم يذكر أبو داود نص الرواية ، بل قال - بعد ذكره لرواية عبد اللّه بن عمرو : ( عن أبي هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مثله ) ، وأخرجه بنحوه الترمذي في ( الدعوات باب : ما يقول إذا أقام من المجلس 5 / 460 - 461 ، ح 3433 ) من حديث أبي هريرة ، مرفوعا . ( 3 ) أخرجه البغوي في تفسيره ( 7 / 66 ) وعبد الرزاق في المصنف ( 2 / 237 ) ، عن سيدنا علىّ ، موقوفا ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ( 5 / 554 ) لابن أبي حاتم ، من رواية الشعبي ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، مرسلا .